«رزق».. والمعادلة الصعبة!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 28 يناير 2022 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

 

أصعب المواقف التى يمكن أن نواجهها فى حياتنا، هى رثاء إنسان عزيز علينا، اختطفه الموت فجأة من بين أيدينا، فما بالنا إذا كان هذا الإنسان، بقيمة وقامة وخلق ومهنية وحرفية الصديق الغالى ياسر رزق، الصحفى الفذ والمبدع.. عاشق الكلمة وسيد الجملة الصحفية الرشيقة.. الفارس النبيل فى بلاط «صاحبة الجلالة».. و«الحكاية البارزة» فى تاريخ المهنة، والتى يستطيع كل من عمل معه أو عرفه عن قرب أو حتى بشكل عابر، أن يحكى جانبا ملهما منها.. فللحكاية تفاصيل عديدة.
اقتربت من «رزق» كثيرا، عندما تولى رئاسة تحرير صحيفة «المصرى اليوم»، حيث كنت أعمل هناك فى تلك الفترة الصاخبة التى تعد الأصعب فى تاريخ مصر السياسى، إذ صعد الإخوان إلى السلطة، وبدأ الشعب يستشعر الخطر على مستقبل البلاد، واستعد لإزاحتهم عن إدارة الدولة حتى لا تذهب مصر إلى المجهول، وهو ما تحقق بعد عام واحد فقط من جلوسهم على كرسى الحكم، بثورة شعبية هائلة شارك فيها الملايين من أبناء الوطن.
كان ياسر رزق مقاتلا عنيدا ضد أفكار جماعة الإخوان، ولم يهادن أو يتلون أو يمسك العصا من المنتصف، طمعا فى منصب أو فرارا من المواجهة، أو يردد مثلما فعل البعض فى ذلك الوقت «لنمنحهم فرصة حتى ينضجوا، ثم بعد ذلك نحكم عليهم»، لكنه حسم مواقفه مبكرا، وقرر التصدى والمواجهة بلا مواربة للجماعة ومن يتعاطف معها.
معارضته للإخوان لم تكن رفضا لنتائج صناديق الاقتراع التى أتت بهم إلى سدة الحكم، أو لفكرة الديمقراطية بصفة عامة، بل لقناعته الراسخة بخطر هذه الجماعة السرية على مستقبل البلاد، وسعيها الحثيث نحو إقصاء شركاء الوطن عن المشاركة فى صناعة القرار السياسى، والاستعلاء على جميع القوى الوطنية، والرغبة فى الانفراد والسيطرة المطلقة على مفاصل الدولة، وتغذية الانقسامات بين طوائف الشعب، وعدم امتلاكها الخبرة اللازمة لإدارة شئون الدولة.
فى الطريق إلى «يونيو الخلاص» كما وصفه فى كتابه المهم «سنوات الخماسين» الذى صدر قبل أيام قليلة من رحيله المفاجئ والصادم لكل أصدقائه ومحبيه، كان «رزق» شاهدا ومشاركا فى هذا التحرك الشعبى الهائل، سواء عن طريق التواصل الدائم مع السياسيين البارزين فى تلك الفترة، خصوصا قادة جبهة الإنقاذ، أو مع القوى الشبابية البارزة التى شاركت فى الحدث الكبير، أو مع المسئولين فى المؤسسة العسكرية، التى يكن لها محبة واحترام وتقدير بالغ.
يوم الحشد العظيم فى الثلاثين من يونيو، جاء إلى الجريدة مبكرا على غير عادته، وكان يتابع القنوات التلفزيونية التى تنقل الحدث من ميدان التحرير وغيره من ميادين مصر، وانتباه بعض القلق من عدم امتلاء الميدان عند الساعة الثالثة عصرا، فقلت له إن الوقت ما زال مبكرا ودرجة الحرارة عالية، لكنه لم يطمئن حتى زحفت الجموع إلى ميادين الثورة على وقع هتاف واحد.. «ارحل».
على المستوى الإنسانى والمهنى، لم يكن متعاليا أو مغرورا، بل متواضعا للغاية وطيب القلب دمث الخلق محبا لزملائه عاشقا لمهنته معتزا بكبريائه شديد الولاء لوطنه.. يشجع الصحفيين الصغار ويزيد من حماسهم ويقف إلى جانبهم فى كل الأوقات.. يحثهم على إخراج أفضل ما لديهم من طاقات وإبداعات.
لم تصبه أعراض النرجسية والذات المتضخمة وأمراض «الرجل الأوحد»، التى ظهرت على الكثيرين فى الوسط ممن هم أقل منه موهبة وحرفية ومهارة صحفية.. فى أوقات كثيرة عندما كان يكتب «مانشيت» الصحيفة، أقترح عليه عنوانا مغايرا تماما، فلا يتأفف أويغضب أو يلبسه العناد، بل يوافق بلا تردد وبصدر رحب وابتسامة بشوشة.
على الرغم من قربه الشديد من السلطة ودوائر صناعة القرار، فإن «رزق» حقق معادلة صعبة لم يستطع أحد غيره تحقيقها، وهى بناء شبكة علاقات قوية مع مختلف القوى السياسية المدنية المؤثرة فى المشهد السياسى، والتى كانت تكن له احتراما وتقديرا ومحبة كبيرة، كما أنه كان صاحب مواقف نقابية واضحة وصلبة عبر مسيرته الطويلة حتى لو أدى ذلك إلى أن يغضب منه البعض أو أن يدفع ثمنها لاحقا.
رحم الله الصديق الغالى والزميل الراحل الأستاذ ياسر رزق، وجعل مثواه الجنة، ونأمل أن يسامحنا إذا كنا قد قصرنا معه فى يوم من الأيام، وخالص العزاء لأسرته الصغيرة، والصبر والسلوان لكل من عرفه وتعامل معه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved