حاجة العالم إلى مرجعيات قيميّة أخلاقية إنسانية

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 28 يناير 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

من حق العالم أن يتساءل: هل أن منتدى دافوس العولمى الذى ينعقد سنويًا فى سويسرا ليناقش أوضاع العالم، على الأخص خلال السنة المنصرمة التى سبقت انعقاده، منصّة لخطابات وتصريحات وثرثرات كل من هبّ ودبّ أم أنه، بعد الاستماع للتحاليل والشكاوى والتمنيات، يجب أن يصدر بيانًا موضوعيًا متوازنًا عن حالة العالم ويشير إلى مشاكله، ويحاول أن ينتقد توجهاته الخاطئة ليخرج فى النهاية بتشخيصات ومواقف المنتدى القيمية والأخلاقية بشأن ما نوقش؟
وهذا البيان ليس فقط من أجل تثقيف الرأى العام فى العالم وإنما أيضًا من أجل تعليم بعض الحضور، خصوصًا أننا جميعًا نعلم أن الكثيرين من هؤلاء الحاضرين يحتاجون إلى أن يتعلموا فكرًا جديدًا وسلوكيات مطلوبة ليعدلوا ويصححوا مسارات حملهم لمسئوليات الحكم والنشاطات المدنية المجتمعية فى بلدانهم عندما يعودون إليها.
نقول ذلك ونحن ندرك أن المنتدى يدّعى بأنه منتدى للشئون الاقتصادية فى الدرجة الأولى، ولذلك لا يقحم مناقشاته فى ساحات الشئون الأخرى، لكن هل حقًا أن الاقتصاد ليس له تأثيراته العميقة على كل الشئون الأخرى من مثل السياسية والأمنية والحقوقية والعلاقات العولمية والثقافية؟
هل أن المنتدى يخاف أن تكون له مواقف تقييمية أخلاقية وحقوقية وأن المنتدى يهمه بالدرجة الأولى عدد الحضور وحضور هذه الشخصية أو تلك، وفى هذه الحالة هل يريد أن ينتهى إلى أن يكون تجمعًا لأناس يثرثرون كل عام ويتبادلون العلاقات العامة فيما بينهم، ثم ينسون ما قيل؟
وفى الواقع فإن السؤال، بسبب كل تلك الموجبات، يجب ألا يوجه إلى المسئولين عن تنظيم المنتدى فقط وإنما أيضًا يجب أن يوجه إلى الحاضرين أيضًا خصوصًا من المسئولين الكبار فى بلدانهم. هل هم يريدون مناقشات المنتدى وسيلة لتحسين الحياة البشرية فى العالم كله أم يريدونه مكانًا ليجتمعوا بأصدقائهم وليواجهوا مخالفيهم، ثم يعودوا دون التزام ودون فائدة تعود لصالح مجتمعاتهم وصالح الآخرين؟
بالطبع فإن الناس سنويًا يريدون أن يعرفوا نتائج مناقشات المنتدى بشأن قضايا من مثل الاستعمال المجنون لرفع الرسوم على بضائع الاستيراد والتصدير ومدى تأثير ذلك على الأخص على مستوى معيشة الفقراء فى هذا العالم، وهم فى هذا العام يريدون أن يعرفوا موقف المنتدى تجاه استباحة فنزويلا اللا أخلاقى من قبل أمريكا، وتجاه المذابح التى ارتكبها ويرتكبها عتاة مجرمى اليمين الصهيونى المتطرف بحق أطفال ونساء وشيوخ فلسطين المحتلة وعلى الأخص فى غزة وتجاه التعنّت الأمريكى تجاه إيران ولبنان والسودان وغيرهم من الدول وإمكانية زج العالم فى حرب عالمية ثالثة، وتجاه من يريدون أن يجعلوا أجزاء من أوطان الغير بضائع للبيع والشراء، بل والاستيلاء بالقوة على أرض الغير، وإرجاع العالم إلى عصور الاستعمار الغابرة.
القائمة طويلة والقضايا معقدة، لكن الوقوف الأخلاقى والقيمى والحقوقى من قبل المنتدين والمنتدى يهم العالم أجمع.
وإذا كان المنتدى لا يعتقد بقدرة المنتجين على القيام بذلك، فلماذا لا يؤسس المنتدى سنة جديدة بدعوة نخب من المفكرين لحضور اجتماعات المنتدى السنوية ليقوموا بمهمة القيام بذلك الواجب كتتمة للنقاشات العامة وكجمع لنتائج مداولات المؤتمرات السنوية فيما بين الجوانب التقييمية الفكرية مع الجوانب التقييمية الواقعية حتى يصبح منتدى دافوس ومناقشاته مرجعية تثقيفية توعويه عالمية سنوية تفيد كل مؤسسات العالم الرسمية وغير الرسمية، وحتى يصبح أحد ضمائر هذا العالم؟
يبرر هذه الدعوة جزئيًا ما سمعه العالم مؤخرًا من تهجمات لاذعة من قبل بعض دول العالم الكبرى لكل مؤسسات هيئة الأمم المتحدة واستهزاءً بمسئولياتها، بل ومحاولة قتل تلك المؤسسات. وإنها لكارثة أن يترك العالم بلا ضمائر ومرجعيات قيميّة أخلاقية إنسانية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved