ملاحظات وأسئلة لقوى الإسلام السياسى

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 28 مارس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

فى الماضى كتبت شخصيا مرتين، كما كتب الكثيرون، للدفاع عن حق أحزاب وحركات الإسلام السياسى فى استلام الحكم، إذا تم ذلك عن طريق انتخابات حرة نزيهة. استلامهم للحكم فى هذه الحالة هو تنفيذ لإرادة الشعب الحرة والاعتراض عليه لأى سبب كان هو اعتراض على اللعبة الديمقراطية.

 

وأكد الكثيرون أن ذلك القبول مشروط بالتزام تلك القوى الإسلامية باحترام تعدديّة القوى والإيديولوجيات السياسية وبالانصياع لمبدأ تبادل السلطة إذا قررها الشعب من خلال انتخابات ديمقراطية دورية.

 

عند ذاك فإن استمرار تلك القوى فى الحكم أو استبدالها بقوى أخرى سيعتمد على مقدار رضا المواطنين واقتناعهم بأن سلطات الحكم تخدمهم وتلبّى مطالبهم الحياتية المشروعة، فينتخبوها المرة تلو المرة، أو يهجروها إلى غيرها إذا لم تقم بذلك الواجب. وضمن ماكتب آنذاك هو أنه لو رفعت أحزاب وحركات الإسلام السياسى الحاكمة مصاحف القرآن الكريم على أسنّة الرماح فإن الشعب لن يعيد انتخابها إذا فشلت إبان حكمها فى ساحات الاقتصاد والعمل والسكن وخدمات الصحة والتعليم والاستقلال الوطنى وغيرها الكثير. فالدين فى نهاية الأمر هو وسيلة إعمار الأرض والسمٍو بإنسانية البشر وليس بالصكِّ غير المشروط لاستلام السلطة أو البقاء فيها.

 

●●●

 

اليوم وقد مرت سنتان على استلام الإسلاميين الحكم فى مصر وتونس، وقد يكون البعض فى طريقهم لاستلام الحكم فى عدة أقطار عربية أخرى فى المستقبل القريب، يجدر أن يُصار إلى إبداء ملاحظات وطرح أسئلة بكل موضوعية وطهارة نية على الجميع، على الذين يحكمون وعلى الذين سيحكمون.

 

أولا: لقد ارتكبتم ومازلتم ترتكبون أخطاء سياسية وإدارية وخطابية وعلائقيّة كثيرة وجسيمة. وتصل الأخطاء أحيانا إلى حدود التخبط والجهل المفجع لروح العصر الذى تعيشه أمتكم ويعيشه العالم. فإذا كنتم قليلى الخبرة فلماذا لم تستعينوا بغيركم من أصحاب الخبرة، وإذا كنتم قليلى العلم والمعرفة فماذا كان يضيركم لو استعنتم بمن يملكهما؟ ومن المؤكد أن الاستعانة بهؤلاء، أو أولئك ليس انتقاصا لأحد، وهو جزء من عصر تفجرُ المعرفة.

 

أما أن تظلُّوا تجرٍّبون وتخطئون، ثم تعتذرون، فإنُ ذلك قد يكون مقبولا فى البداية ولكنه حتما مستهجن إذا طال أمده.

 

ثانيا: بعد تطوُّر وتشابك الأحداث المتسارعة إبُان فترة ما بعد ثورات وحراكات الربيع العربى الانتقالية، وبروزكم القوى المفاجئ على مسرح الأحداث، وتبدُل طبيعة مهماتكم السياسية، انتظر الكثيرون أن تحسموا مواقفكم بالنسبة للعديد من المواضيع التى واجهتها مجتمعات ما بعد الثورات. من أبرز تلك المواضيع هو اتخاذكم لموقف واضح وصريح ولاغمغمة فيه، من بعض التوجهات الإسلامية السلفية المتزمٍّتة فقهيا إلى حدود الجمود التاريخى والتخلف الفكرى والتى نصّب بعض معتنقيها أنفسهم، خارج ما تسمح به القوانين وبالتعارض مع نصوص الدساتير المنظمة لحقوق المواطنين.. نصّبوا أنفسهم كأوصياء على ضمائر العباد وحريّاتهم الشخصية واستقلاليتهم الإنسانية. بل ومارسوا تلك الوصاية باللسان الجارح المهين وأحيانا باليد الباطشة المعتدية الإرهابية.

 

لقد انتظر الناس أن يكون لكم موقف رفض وشجب علنى واضح، ودخول فى معركة حاسمة، لا تردُد فيها، مع مدّعى تلك الوصاية، وذلك باسم واجبكم الدّينى، وأنتم تقولون بأنكم من الوسطيّين، وباسم واجبكم كسلطة حكم تحمى الحقوق والحريات الأساسية فى مجتمعاتها.

 

والواقع أن موقفكم من موضوع الحرية، بكل تعدُّدها وظلالها فى حياة المواطنين، وعلى الأخص فى ميادين السياسة والفكر والفن والحياة الشخصية للرجل والمرأة على السواء، هذا الموقف سيرسم إلى حد كبير مستقبل تواجد الإسلام السياسى فى أرض العرب. ولعلّكم تعوه قبل فوات الأوان.

 

ثالثا: ثم هناك موضوع ثالث خطير يحتاج إلى حسم. إنه جواب السؤال الآتى: هل سيكون منطق حكمكم، وبالتالى تصُرفاتكم ومواقفكم فى أقطاركم وعبر كل المنطقة، هل سيكون باسم الإسلام الواحد الجامع أم سيكون باسم هذا المذهب أو ذاك وضد مذهب هذه الجهة أو تلك؟ وأنكم لتعرفون جيدا أن هذا الموضوع أصبح أداة من أدوات تفتيت وتدمير أرض العرب والمسلمين، ومقاومته ستحتاج إلى مواقف وليس إلى أقوال علاقات عامة.

 

تلك أمثلة ثلاث، لأن المجال لا يسمح بأكثر من ذلك. وفى النهاية فإن الهدف هو المساهمة فى ألا تفشل التجربة الديمقراطية فى أرض العرب. ذلك أننا، نحن الذين نادوا بضرورة أن يكون هناك مجال مفتوح لكل القوى السياسية، دون استثناء، بما فيها قوى الإسلام السياسى، فى فضاء الديمقراطية العربية الصاعدة، لا نريد للزّخم الديمقراطى أن يتراجع ولا نريد للناس أن ينفضُّوا من حول الربيع العربى بسبب نفاد صبرهم تجاه كثرة الأخطاء وضعف الحسم.

 

●●●

 

إننا جميعا يجب أن ندرك بأن الثورات المضادّة لروح وشعارات الربيع العربى ستبقى معنا لفترة طويلة، وأن معسكر الامبريالية ــ الصهيونية لن يتركنا لحالنا قط. وليس من دواء لدحر الجهتين إلا دواء الديمقراطية الشاملة العادلة. من هنا أملنا فى أن يعى الجميع أهمية لعبهم أدوار الدفاع عن المشروع الديمقراطى وإنجاحه، وذلك بالابتعاد عن أى فكر أو ممارسة أو تهويمات تشكك الناس فى هذا المشروع. هذا من حق الذين ماتوا فى سبيله ومن حق الذين سيعيشون ليتمتّعوا بثماره.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved