عن الكاميرا والفن التشكيلى – 2


سمير فؤاد

آخر تحديث: السبت 28 مارس 2020 - 10:55 ص بتوقيت القاهرة

منذ اختراع الكاميرا فى القرن التاسع عشر ومع تطورها السريع وتواجدها كعنصر فاعل فى تسجيل الحدث ومع بدايات القرن العشرين ازداد تواجدها سطوة.. وبها اختلفت علاقتنا بالعالم المرئى فلم تعد رؤيتنا محدودة بالرؤية المباشرة وإنما جعلتنا الصورة الفوتوغرافية نتعدى المكان والزمان فنرى أحداث من الماضى، وكذلك من شتى بقاع الأرض.. وحتى حدود مقاييسنا الإنسانية جعلتنا الكاميرا نتخطاها فنرى الجراثيم التى تقاس بالميكروملليمتر والمجرات التى تبعد بلايين السنين الضوئية ونرى ما تراه الأشعة تحت الحمراء وما ترصده الأشعة فوق البنفسجية.
وبعد اختراع الكاميرا المتحركة (السينما) أضافت إلى الصورة البعد الزمنى وأصبحت ديناميكية سائر الحركات التى يقوم بها الإنسان والمخلوقات الأخرى مفهومة إلى درجة كبيرة، فقد أصبح من المعتاد أن نراها ماثلة أمامنا فى آلاف اللقطات الفوتوغرافية مجمدّة فى لحظة معينة أو فى لقطات متتابعة فى أزمنة متتالية.. وإذا أردنا المزيد من التدقيق والتمحيص فهناك الأفلام المتخصصة التى تسجل الحركة لتعيد عرضها بالسرعة البطيئة وتستطيع حتى أن توقف جريان الفيلم عند لحظة معينة لمزيد من التحليل والفهم.. كما أمكننا أن نرى الحركات التى تأخذ ردحا طويلا من الزمن أياما كانت أم شهورا مثل نمو الكائنات أو التغيرات المناخية معروضة فى دقائق قليلة.. وأصبحنا نرى فى الأفلام الوثائقية عجائب وغرائب تفوق فى روعتها أعتى أفلام الخيال العلمى.. أصبح بإمكاننا أن نرى تفاصيل حركات الحيوانات وهى تعدو وتقتنص فرائسها.. وتتابع خفقات أجنحة الطيور فى طيرانها.. والنباتات وهى تنمو والزهور وهى تتفتح والعواصف وهى تتجمع وتتفجر.. بل أصبح فى إمكاننا أيضا أن نرى ونحلل حركة الأجهزة الميكانيكية فائقة السرعة مثل المحركات فى دورانها والطائرات النفاثة وهى تمرق فى الفضاء والقذيفة فى مسارها وهى تخترق الهواء.
كان تأثير الصور الفوتوغرافية للمصور الفوتوغرافى الرائد إدوارد مويبريدج والتى حلل فيها الحركة على الفن والفنانين تأثيرا كبيرا فقد ساهم بشكل حاسم فى إعطاء الفنانين المعنيين بتمثيل الحركة الأساس العلمى الملموس الذى جعلهم يستطيعون تمثيل الحركات المختلفة للإنسان والحيوانات فى أعمالهم بشكل أكثر واقعية.
ولكن تأثير مويبريدج تعدى هذا بكثير فقد أصبحت هذه الصور المأخوذه بالأبيض والأسود لجسم الإنسان وهو غارق فى ضوء الشمس وهو يؤدى عملا ما، والتضاد بين ديناميكية وحيوية جسده وبين خلفية الصورة الساكنة الباردة مصدر إلهام للعديد من الفنانين.
نرى تأثير صور تحليل الحركة لمويبريدج الواضح على مارسيل دوشامب فى لوحته الشهيرة «عارية تهبط السلم رقم 2» ــ 1912 والتى حاكى فيها بأسلوبه التكعيبى الذى كان يرسم به فى هذا الوقت ميكانيكية حركات الفتاة وهى تهبط السلم والتى استوحاها من إحدى متتاليات مويبريدج لفتاة تهبط السلم.. وفى هذه اللوحة نرى المساحات والخطوط التى تمثل جسدها فى حركاته المتتالية وقد تداخلت لتصور ما يوحى لنا بتعاقب حركات جسدها مع التأكيد على ثلاثة محاورهى الرأس والأرداف والسيقان.
كما نرى تأثير مويبردج واضحا بالطبع على حركة المستقبلين الذين كانوا معنيين بتمثيل الحركة والسرعة فى أعمالهم.. ويمكن أن نرى تأثيرا مباشرا فى أعمال كارلو كارا مثل لوحته « الفارس الأحمر» ــ 1913 والتى نرى فيها تعاقب حركات الحصان الذى يمتطيه الفارس.. وكذلك فى أعمال جياكومو باللا مثل لوحة «طفل يعدو فى الشرفه» ــ 1912 والتى تصور تتابع حركات طفل يعدو وفى الخلفية سور الشرفة الثابت وهى من أكثر اللوحات المستقبلية التى يبدو فيها التأثير المباشر لصور مويبريدج.
أما فرانسيس بيكون فهو صاحب مقولة «فى خيالى يختلط مايكل أنجلو مع مويبريدج»، فقد كانت متتاليات مويبريدج مصدر إلهام مستمر له وقد نقل عنها أحيانا نقلا مباشرا مثل لوحته الشهيرة «شخصين 1953»، والتى أخذها مباشرة من متتالية مويبريدح لشخصين يتصارعان.. ولكن تأثير مويبريدج فى لوحات بيكون كان فى تلك التركيبة التى تميز فن بيكون وهى تضاد العلاقة بين فراغ ثابت وجسم فى حالة فعل أو حركة.
أصبحت الصورة الفوتوغرافية من الأدوات الأساسية التى يستعملها الفنان فى أعماله سواء الصور الفوتوغرافية التى تنتشر فى وسائل الإعلام أو تلك التى يلتقطها الفنان بنفسه.. وأصبحت فى أحيان كثيرة بديلة للدراسات السريعة التحضيرية لأعماله.. وكانت من المؤثرات الرئيسية فى حركة فن البوب ونرى هذا واضحا فى أعمال الفنان اندى وارهول الذى استعمل فى أعماله الفنية الصور الفوتوغرافية الدارجة فى الإعلام مثل صور الشخصيات الشهيرة كما فعل فى عمله الشهير لأيقونة السينما الأمريكية مارلين مونرو.. وقد بلغ ذروة تأثير الصورة الفوتوغرافية فى الإتجاه الذى يطلق عليه الواقعية الفوتوغرافية والذى يحاكى فيه الفنانون الصورة الفوتوغرافية بكل تفاصيلها الدقيقة حتى يصبح فى بعض الأحيان من الصعوبة على الرائى تمييز ما إذا كان العمل صورة فوتوغرافية أم لوحة مرسومة.. وكأن الفنان هنا يأبى أن يتفوق عليه شيء حتى الكاميرا الفوتوغرافية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved