«العلم» طوق نجاة
إيهاب الملاح
آخر تحديث:
السبت 28 مارس 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
(1)
فى محيط من القلق والتوتر والارتباك بسبب الحرب المسعورة الدائرة فى الخليج بدون مبرر ولا سبب، يخرج علينا فريق بحثى مصرى مشرف بقيادة الدكتور هشام سلام فى جامعة المنصورة بإنجاز غير مسبوق، وكشف حفرى ظهرت آثاره ومعالمه ودراسته على صفحات مجلة «ساينس» العريقة الأشهر والأهم فى مجال البحوث العلمية الفريدة والمميزة.
من جامعة المنصورة فى قلب الدلتا، وفى مؤتمر صحفى حاشد بحضور وزير التعليم العالى ورئيس جامعة المنصورة؛ أعلن على الملأ ملامح الاكتشاف العظيم، ونتائج البحث العلمى الرصين المتقن لهذا الكشف الحفرى غير المسبوق.. فما هو هذا الاكتشاف وما خطوطه العريضة؟
ببساطة، وكما عبر رئيس الفريق البحثى الدكتور هشام سلام فى بيانه الشارح؛ فإن علماء المنصورة وتحديدًا أعضاء فريقه البحثى «سلام لاب» يكتشفون بالصحراء الغربية الجد الأكبر للقردة العليا الحديثة والذى عاش بمصر قبل 18 مليون سنة! العثور على أجزاء من الفك وبعض الأسنان المتحجرة تعيد رسم شجرة تطور القردة العليا، وتثبت مكانة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كمحطة للنشأة والهجرات لقارتى أوروبا وآسيا. هذا باختصار شديد!
ومنذ الإعلان الرسمى عن هذا «الاكتشاف»، وعن نشر هذه الدراسة وردود الأفعال تتوالى وتتسع بين فرح وسعادة غامرة وجرعة أمل نبحث عنها ولا نجدها! جاء هذا الإنجاز ليؤكد الدعوة التى نحيا فى سبيل نشرها للأخذ بأسباب التقدم والنهوض والبحث عن المستقبل.. العلم، والتعليم والمعرفة؛ لا بديل ولا طريق سوى البحث العلمى واحترامه ودعمه؛ وتذليل كل العقبات فى سبيل تطويره وتعظيمه.
هذه الدعوة التى أطلقها الشيخ حسن العطار فى النصف الأول من القرن التاسع عشر «إن بلادنا لا بد لها أن تتغير أحوالها، وأن يتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها»، هذه الصيحة المدوية التى تبناها من بعده تلميذه العظيم رفاعة الطهطاوى، ومن بعده جيل الرواد من أبناء النهضة المصرية فى النصف الأول من القرن العشرين؛ أحمد لطفى السيد، طه حسين، وأحمد أمين والعقاد وهيكل والشيخ مصطفى عبد الرازق وشقيقه الشيخ على عبد الرازق… إلخ.
(2)
كان تأسيس الجامعة فى عام 1908 هو البذرة الأولى فى البحث عن الخطوة الأولى فى طريق النهضة، ومواجهة تخلفنا وتراجعنا؛ كان هذا الإيمان بالعلم والبحث العلمى ثمرة من ثمرات الانفتاح على مكتسبات العلوم الإنسانية والآداب والفنون والفلسفة ومناهج التفكير العلمى والنقدى؛ أولا على يد الأساتذة الأجانب من المستشرقين، ثم على يد الرعيل الأول من الأساتذة المصريين الذين تتلمذوا على يد طه حسين وتلامذته من بعده.
وأستعيد هنا بعضا من كلمات (رسالة الجامعة) التى ألقاها مديرها العظيم أحمد لطفى السيد سنة 1926، يقول:
«حين رأى سعد زغلول وقاسم أمين ولطفى السيد وإخوانهم من قادة حركة الفكر فى مصر أن العلم الذى صار فخر أوروبا وفخر حضارة العالم الحديث مشلول فى مصر شللا تاما، فالتعليم السائد فيها تعليم تقليدى تدرس فيها علوم الشرع على الطريقة النقلية الأصولية القديمة، ومدارس الحكومة (حتى العالية منها) لا تقصد إلى أكثر من إخراج موظفين يقومون بأعمال وظائف الدولة المختلفة.
أما «العلم» فى ثمراته التى نقلت العالم من ظلمات العصور الوسطى، وأفاضت عليه من النور ما أضاء له سبيل الحرية والحق، والأبحاث الحرة الطليقة من كل قيد التى يقصد أصحابها الوصول إلى الحقيقة فى كل ما يتصوره العقل الإنسانى منفعة للإنسانية، فكانت مصر محرومة منها كل الحرمان، وكان لا يعرفها إلا أفراد قلائل، أتاح لهم الحظ النشأة فى بلاد أضاء أرجاءها نور العلم، وكشف عن عقول أهلها ما كان يغشاها من ظلمات بعضها فوق بعض. ولذلك اجتمعت كلمة هؤلاء القادة على أن يقيموا للعلم صرحًا، ويهيئوا له فى مصر مقامًا، ومقام العلم الجامعة، فاجتمعت كلمتهم على إنشائها. ولما كانت حكومة ذلك العصر لا ترضى عن مثل هذه الحركة فقد لجأوا إلى الأمة يستعينونها لتنفيذ مقصدهم. وأعانتهم الأمة بمقدار ما سمح به تقديرها لهم ولفكرتهم».
(3)
بعد قرن كامل من إلقاء أحمد لطفى السيد لهذه الكلمات؛ يأتى هذا الإنجاز على يد فريق الدكتور هشام سلام وفريقه البحثى الرائع، ولا أريد أن أنسى منهم أحدًا، لكنى أخص بالذكر الباحثة الرئيسية فى هذا المشروع المصرية الشاطرة الدكتورة شروق الأشقر؛ إحدى الباحثات الرائعات التى يشار إليها الآن فى كل الدنيا بالبنان.. مصرية متفوقة شديدة الاعتداد بمصريتها وثقافتها وتراثها؛ جمعت بين تفوقها العلمى الذى أشاد به الجميع، وصارت ضمن الفئة المميزة بل شديدة التميز فى تخصصها العلمى، وبين بساطة المصريين وتواضعهم وروحهم المحبة المتسامحة المنفتحة على الدنيا بأسرها بدون عقد ولا كلاكيع!
باحثة مصرية فى الذروة من تخصصها العلمى ترتدى القلادة المصرية المستلهمة من الموروث الشعبي، تتحدث العربية لغتها الأم بدون تكسير ولا ركاكة ولا تلعثم، تكتب بحوثها العلمية بالإنجليزية وتنشرها فى أرقى وأهم الدوريات العلمية المحكمة فى العالم!
محكومون بالأمل.