العلم والصحافة العلمية والبيزينس

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: الأحد 28 أبريل 2019 - 4:35 ص بتوقيت القاهرة

 

في سنة 1956 قام أربعة من العلماء وهم مارفين مينسكي (أستاذ رياضيات وعلوم الأعصاب) وجون مكارثي (أستاذ الرياضيات)  وكلود شانون (عالم رياضيات) وناتانيال روشستر (عالم في علوم الحاسب) بتنظيم ورشة عمل في دارتموس في ولاية نيوهامبشير في الصيف لمناقشة أعمال الرياضي العظيم آلان تيورنج المتعلقة بأسلوب التفكير وكيفية جعل أجهزة الكمبيوتر تفكر، تمت دعوة حوالي خمسين من كبار علماء الحاسبات والإلكتورنيات والرياضيات وعلوم الأعصاب والنفس لورشة العمل هذه وكانت بداية علم جديد بحثوا له عن إسم وإختاروا ما نعرفه اليوم بإسم الذكاء الإصطناعي، تلقفت الصحافة هذه النقلة وبعض البرامج الحاسوبية التي كتبها بعض هؤلاء العلماء وكتبت عن إمكانيات الذكاء الإصطناعي الهائلة و مستقبله الزاهر في السنين القليلة القادمة، طبعاً التقدم العلمي يحتاج إلى تمويل.

 

تمويل الأبحاث العلمية يأتي عادة من الحكومات والشركات وما كتبته الصحافة عن مستقبل الذكاء الإصطناعي لفت أنظار هؤلاء وهؤلاء فإنهالت ملايين الدولارات على الباحثين في هذا المجال الجديد، الحكومة الأمريكية مثلاً كان يهمها الحصول على برامج كمبيوتر تترجم من الروسية للإنجليزية بسرعة، لاحظ أن الحرب الباردة كانت في أوجها بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي، الشركات كانت مهتمة جداً باستخدام هذه التكنولوجيا الوليدة لصناعة منتجات وتقديم خدمات تدر عليها أرباحاً بالمليارات، وإنتظر الجميع ما تجود به قريحة العلماء في هذا الفرع الوليد ... وإنتظروا ... وإنتظروا ... ومرت عدة سنوات ولم يحدث شئ، وهنا شكلت أمريكا لجنة لبحث الأمر وشكلت بريطانيا لجنة أخرى عندها وإنتهت اللجنتان لنفس النتيجة وهو أن هذه التكنولوجيا لن تنتج شيئاً مهماً في الوقت الحالي، وهنا إنتقل الذكاء الصناعي من الربيع إلى الخريف حيث قل التمويل وقل إهتمام الحكومات والشركات والجامعات بهذا المجال وإن لم ينعدم تماماً، لم يعرف الجميع أن ربيع هذا المجال سيعود بعد أربعين سنة!

 

إذا تفكرنا في هذه القصة سنجد أن السبب الرئيس في إنتقال هذا المجال من الربيع للخريف هو الصحافة العلمية الغير دقيقة التي بالغت بشدة في هذا المجال الجديد وما يستطيع أن يأتي به من معجزات وإجتزاء بعض المقاطع من حديث العلماء المتخصصين من سياقها ليجعلوا مقالاتهم أكثر إثارة أو لعدم دقتهم.

لذلك أحببت في هذا المقال أن أتحدث بشكل مبسط عن العلاقة بين العلم والصحافة العلمية والبيزنس.

 

الغرض من العلم هوتحسين حياة الناس على هذه الأرض، قد يكون للقارئ رأي آخر ولكن رأيي كاتب هذه السطور أنه لا يوجد أو لا أهمية لما يسمى العلم من أجل العلم، حتى العلوم البحتة تنتج نظريات ستسخدم في المستقبل لحل مشكلات، أما العلم للعلم ولجمال الإكتشافات العلمية فهو يقع في واحدة من الأمراض السلوكية للعلماء التي تحدثنا عنها في مقال سابق وهذا لا يعني إطلاقاً ألا يستمتع العلماء بما يعملون ولكني أتكلم عن الهدف الأساسي.

 

دور الصحافة العلمية هو لفت أنظار الناس والشركات والحكومات لأهمية إكتشاف علمي معين أو تكنولوجيا معينة على حياتهم وما هو الاستخدام الأمثل لها، يجب أن تقوم الصحافة بهذا الدور بدقة بهدف التعليم وليس بهدف الإثارة خاصة أن التكنولوجيات الجديدة والإكتشافات العلمية الجديدة مثيرة بما يكفي إذا تمت الكتابة عنها بحيادية وبحبكة جيدة، الدور الثاني للصحافة العلمية هو لفت الإنتباه إلى الاستخدام السئ أو المخاطر المستقبلية لتكنولوجيا معينة ولكن لهذا الموضوع مقال آخر في المستقبل.

 

نأتي إلى دور الشركات ورجال الأعمال وهو دور محوري لأن لهم دخل كبير في تمويل الأبحاث العلمية والتكنولوجية، لا ننكر ولا نستنكر أن يكون الهدف الأساسي هو الربح وبحسب قوة الشركة وحجمها يكون بمقدورها تمويل بحث ما سيأتي بثماره بعد مدة قصيرة أو طويلة فكلما زاد حجم الشركة كلما أمكنها تمويل أبحاث قد تنتج شيئاً مهماً لكن بعد مدة طويلة، وهناك شركات تمول أبحاثاً كثيرة وهي تعلم أن بعضها قد يفشل ولكن إذا نجح البعض الآخر فإنه سيعوض فشل الباقين.

 

إذا فالعلماء يجب أن يعملوا وصوب أعينهم أهمية عملهم للبشرية ويجب على الصحافة العلمية توصيل معلومة صحيحة للشركات عن الأبحاث التي قد يكون لها أهمية في المستقبل وعلى الشركات أن تمول منها ما تستطيع أن تستفيد منه، إذا نظرنا إلى هذا المثلث سنجد أننا يمكن أن نبنيه في مصر فقط نحتاج أن نفكر في المعوقات ونحاول تزليلها ولهذا أيضاً مقال مستقل في المستقبل.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved