شهر العبادة الذى شوهتموه!

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 28 مايو 2017 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

كثرت التهانى بشهر رمضان ومعها بل وسبقها الكثير من الموت حتى تعبت المقابر من القادمين الجدد، معظمهم من الأطفال والشباب، هم ليسوا فقط ضحايا التفجيرات والقذائف الموجهة للقلب، بل هم أيضا كل أولئك الذين أصبحوا قادرين على تكرار ذات التهنئة بالشهر الكري،م فيما رائحة الجثث تزكم الأنوف قبل رائحة الطبخ الشهى الذى امتلأت به شاشات تليفزيوناتنا ومحطاتها المعتادة.
لا نزال نكرر نفس العبارات «الشهر الكريم» «الشهر المبارك» «شهر المغفرة والايمان» فيما مراجعة بسيطة لحال أمتنا، أى الأمة الإسلامية، لا يوحى بذلك.. وهنا تكمن أزمتنا حتما ألا وهى الوقوف أمام المرآة والتوقف عن ترديد ذات العبارات فيما حمامات الدم تملأ مدننا وقرانا باسم الدين.. نعم ليس الدين هو المسئول عن ما نحن فيه ولكن حتما المشكلة الأساسية فى أتباع هذا الدين والمدارس التى انتشرت والجوامع التى تحولت إلى مراكز لنشر الجهل فيما يودع المغردون ومن يعبرون عن إعجابهم بموضوع على شبكات التواصل فى الزنازين أو القبور!
ليس العيب فى الدين، يقولون ويكررون ويقيمون المؤتمرات ويطلقون التصاريح النارية والوعيد والتهديد فيما التطرف يجلس تحت عباءاتهم! هى العباية أو الجلباب أو الحجاب أو النقاب غير الأنثوى!
***
يعود رمضان كما هو كل عام يستعد إعلامنا الفارغ أصلا بملء ساعاته بالمسلسلات وكثيرها بحاجة لإعادة النظر فى مكوناته على أقل تقدير. وكثير من إعلانات المشروبات والمأكولات وكأنه شهر ليس للصيام بل للأكل وليس للعبادة بل للتسلية، والاقتصار على قضاء اليوم الحار الطويل دون شراب أو طعام!
يكتب الباحثون طويلا ويعلق بعضهم على شبكات التواصل بتحليلات علمية مبنية على الكثير من البحث عن أسباب التطرف فى الاسلام الحديث وخاصة بين الشباب ويرددون الأسباب، بينما صانعو السياسات وواضعوها يبقون بعيدا يكررون أساليب المواجهة ذاتها فما أسهل أن ترسل بالأمن ليقوم بدور المدرسة والمجتمع والمعلم وغيرهم! ما أسهل الحلول الأمنية فيما ثقافة العزلة والظلام مستمرة سواء على شبكات التواصل الاجتماعى أو فى محطات التليفزيون أو حتى فى الجوامع وكثير من المدارس حتى الرسمية منها.
بعضهم يطالب بتغيير المناهج ولا يدرك أن المدارس معششة بمعلمين هم أقل ما يقال عنهم بإنصاف إنهم أميون ومروجون لنفس تلك الأفكار. هم أيضا ضحية لسنوات طويلة من التعليم المعلب والمتعفن وقلة التدريب والتوجيه والمرتبات وانعدام الحقوق والفقر الذى أصابهم قبل غيرهم من فئات المجتمع العاملة الأخرى.
***
يأتى رمضان فتكثر الرسائل التى اعتزمت أنت عن التوقف عنها لأنها حتما لا تعيد إلا إثبات مدى انفصامنا وعزلتنا عن العالم الآخر، عالم التطور والتكنولوجيا والحضارة والحقوق والحريات.. كيف نحتفل بشهر نصوم فيه عن الأكل والشرب فيما نستمر فيه بممارسة الذبح بأنواعه والنكل بالآخرين والطعن فى الظهور والتسابق على الثروات. إن أكثر منافقى رمضان هم فئة الأثرياء منا؛ تلك التى قالت عنها الفاينانشيال تايمز وغيرها من الصحف المتخصصة إنها تعيش فوق بحار من الفقر والعوز والتهميش، وإنها تجاور كل ذلك دون أى إحساس بالمسئولية ربما إلا ما يقومون به فى رمضان من إطعام فقير وإلباس يتيم وغيرها من تلك التصرفات التى لا تسمن ولا تغنى ولا تحل أزمة سوى أنها تريح الثرى مع نفسه وتوهمه بأنه بذلك قد كفر عن كثير مما قام به من ذنوب! وما كثرة «تجارة» الجمعيات الخيرية إلا بعض من ذاك النفاق المتأصل فى مجتمعات تدرك بأن كل هذا لا يغنى ولا يسمن وأن الحل أكثر عمقا وتجذرا من الحقيبة المدرسية وإفطار رمضان.
***
لشهر رمضان «موضته» أيضا فهناك صرف هائل على الأزياء إلى جانب الأكل وهل فى ذلك عبادة وتعبد وغسل للروح قبل الجسد؟ والرسائل اليومية وهى رسائل يوم الجمعة التى لا تفيد إلا كثيرا من شركات الاتصال التى هى تنهب المواطن الفقير أصلا لأنه لم يتبق له من حرية فى أوطاننا سوى حرية الاتصال التى هى ليست دائما بعيدة عن آذانهم وهى الأخرى مدفوعة الثمن.
للمؤمنين والمسلمين الحقيقيين توقفوا عن إثراء شركات الاتصال والأدعية وأكثروا من العمل جزاكم الله بذلك ألف خير وربما حينها نبعد الدين عن المستنقع الذى نحن فيه ونفصله عن أن يكون أداة فى يد الدولة لتحكم أو القبيلة لتسيطر! ونعيده إلى جذوره النقية جدا، وحينها لن يربط أحدهم بحزام ناسف وينهى حياة كثير من الأطفال والشباب والنساء والشيوخ! ربما؟!

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved