النـــظَّارة

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 28 مايو 2021 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

يمُر العمر وتفقد العينان مُرونةَ عدستيهما وتتبدى الأحرفُ مُهتزةً غائمة، يحاول رائيها أن يقنع نفسه بعيبِ في الورقةِ التي يقرأها أو الشاشة التي ينظر فيها، يبحث عن ضوءٍ إضافيّ، يجتهد ويكافح لإعادةِ الوَضع لما كان عليه؛ إنما هيهات.
***
تحمر المُقلتان ويتقلّص الجفنان وتغشى ملامحَ الوجه تجعيداتٌ غريبة سعيًا لضبطِ بؤرة العدسة، ثم تبدأ مرحلةُ الدموعِ اللا إرادية التي تعني عدمَ القُدرة على الاستجابة، وبَذلَ جَهدٍ عنيف لا طائل من ورائِه سوى تأكيد الحاجةِ إلى وسيلةٍ خارجيةٍ مُساعدة.
***
كانت النظارةُ أهم أداةٍ في حياة جدتي. تتوه فنتفرق جميعًا للبحثِ عنها، يتطوس زجاجُها فنحملها على الفور إلى الصنبور؛ حيث تُراق المياهُ عليها وتُفرك جيدًا وتُجفَّف، ثم تخضع لقطعةِ النسيجِ الخاصة التي تجعل بلورها صافيًا رائقًا؛ لا غيمة فيه ولا تعتيم. تتناولها الجدةُ مُمتنةً كأنها حظيت بمعجزةِ حياتها. تتسع ابتسامتُها ما فتحت عينيها مِن خلال النظارة، وميَّزت الحروفَ واضحةَ الحدود. تشرع في قراءةٍ مُمتدة؛ لا تترك الكتابَ أو المجلةَ إلا لمامًا، وقد خصَّصَت لأعوامٍ طوال حِصصَ قراءةٍ صباحيةٍ للجريدةِ اليومية، ومسائيةٍ للدورياتِ الأخرى، وليليةٍ ساهرة للقَصَص والروايات الأجنبية؛ التي لا بد مِن بينها عملٌ للكاتبة خالدةِ الأثر أجاثا كريستي.
***
إن ضاعت النظارةُ توقفت الحياة. حدثٌ أسوأ مِن انقطاعِ الكهرباءِ أو المياه، وأنكى مِن تفحم آنيةٍ من أواني الطهي بعد نسيانها على المَوقد. إعادةُ الكشفِ الطبيّ دوريًا، وتعيين قوةِ الإبصار، والحصول على القياسات المتغيرة؛ فريضةٌ أساسيةٌ، أما وصول العدساتِ الجديدة؛ فيومٌ مشهود يرقى إلى أيامِ العيد. مع حلولِ عيد الميلادِ أو عيدِ الأم؛ لم يكُن مِن داعٍ للحيرةِ والتفكير. صندوقٌ صغير يحوي عددًا مِن الكُتب والمجلات الجديدة؛ مثَّل دومًا أعظمَ هدية، تتلقاها بفرحة طفولية خالصة، وضحكةٍ واسعة تملأ القلبَ بالرضاءِ والبهجةِ، وتؤسِس دون وعي مَحبةَ الكلمةِ في نفوسنا.
***
بعضُ الناس لا تهمهم النظارةُ في شيء، أو للدقة إن شئنا؛ لا يعبأون بفعلِ القراءة ولا يجعلون له مكانًا بين أنشطةٍ أخرى كثيرة تشغلُ الوقتَ وتبدده. يرونها مضيعةً للوقتِ بلا طائل، وتعبًا للعقل، والمعلوماتُ نعرفها عبر وسائط مُتعددة، والشاشة حاضرةٌ يمكن تكبير الكلماتِ فيها أو تصغيرها، أما ما حملت الأوراقُ وحفظت؛ فلم يعد مِن الأهمية بمكان.
***
في مُقابل طُرقٍ سهلة للحصول على المعلومةِ؛ أغلبها إلكترونيّ، أعرف أشخاصًا ما انفكوا يستعملون عدسةً مكبرةً للقراءةِ الورقية، يمررونها فوق السطورِ فتبرز الكلماتُ ضخمةً مُنبعجة، ومعوجةَ الأحرفِ والأطراف. الجهد الذي يبذلون في هذه الوضعيةِ لا شكَّ كبير، وتغيُّر حجمِ الكلماتِ مع تحريكِ العدسةِ غير مُريح؛ لكنهم يفضلون ما اعتادوا عليه وألفوه، واستراحوا له عمرًا.
***
في مكتبتي إرثُ الجَدة؛ اصفرَّت منه بعضُ الأوراقِ ورقَّت أطرافُها وتمزَّقت؛ لكنها صامدةٌ لا تزال. أحملها في حرصٍ وعنايةٍ على كَفيّ، أبعد عنها الأتربةَ بين الحين والآخر، وأخشى عليها من يدٍ لا تدرك قيمتها فيكون هلاكُها قريبًا. أتأمل الأغلفةَ مُهترئة الحواف؛ فتزورني ذكرياتٌ كثيرة وتنساب كضوءٍ رائقٍ خفيف، أجد معها راحةً واطمئنانًا، كما يملؤني اليقينُ بأن العلاقةَ مع الأوراقِ تختلف عنها مع شاشاتِ الهواتفِ والحواسيب، وبأن عبقَ القديمِ يزداد أصالةً بمرورِ الوقت ويبقى حاضرًا شفيفًا.
***
بين صفحاتِ الكُتب وريقاتٌ مطوية، وبعضُ رسائلَ خطها أنيق؛ لكن حبرها قد بهت وذاب مع تقلباتِ الجوّ وكثرةِ الانتقالِ، وصارت قراءتُها صعبةً؛ تتطلب صبرًا وأناة. هناك أيضًا مظروفاتٌ بنية اللون، خشنة الملمس، لم يصبها إلى الآن سوءٌ، وجَدت في نفسي ميلًا دائمًا للاحتفاظ بها.
***
احتفظت أيضًا بالنظارة؛ أخرجها مِن جرابها كلما مَرت بخاطري، أمسح زجاجَها، ثم أجرب كيف هي الرؤية عبره؛ لعلني ذات يوم أحتاجها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved