حرب وقف إطلاق النار

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الخميس 28 مايو 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

إن «وقف إطلاق النار» مصطلح مُضلِّل، يعرّفه قاموس «إيفن شوشان» بأنه «هدنة فى العمليات القتالية» أمّا النسخة المخصصة لطلاب المدارس من القاموس نفسه، فتضيف شرحًا بأنه «توقُّف للقتال يوافق عليه الطرفان» بينما يشرح موقع «ميلوج» - القاموس العبرى الحر فى الإنترنت - المصطلح بأنه توقُّف عن نشاط يُنفَّذ ضد خصم، أو عدو. لكن أيًا من هذه التعريفات لا يعكس الواقع فى الشمال، أو الجنوب، لا فى غزة، ولا فى لبنان؛ حتى إن التفسير الضيق الذى يتجاهل بناء قوة العدو وتعاظمه، ويعتبر «القتال» مجرد إطلاق نار مباشر فقط، لا ينطبق على الوضع هنا؛ فالنار ما زالت مشتعلة فى غزة؛ وفى لبنان، منذ إعلان وقف إطلاق النار، قُتل 11 من خيرة أبنائنا.


ومع ذلك، فإن إسرائيل الرسمية تُقنع نفسها بأنها تعيش حالة «وقف إطلاق نار». وكذلك يفعل البيت الأبيض ومجلس الأمن فى بياناتهما؛ دان وزير الخارجية الأمريكى حزب الله بسبب انتهاكه «وقف إطلاق النار» فى لبنان. ويحدث هذا كله بينما سيجتمع ممثلو إسرائيل ولبنان مجددًا لمناقشة الترتيبات المستقبلية، كجزء من النعم المتعلقة بـ«وقف إطلاق النار» الحالى. وفى بداية هذا الشهر، شارك مجلس الأمن تغريدة لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة بشأن فعالية المنظمة خلال وقف إطلاق النار فى غزة.


إن الهوس بالمصطلحات هنا ليس نتاجًا للانفعال الممزوج بحسٍّ لغوى؛ فطريقة تأطير الواقع بصورة معينة لها تأثير أكبر مما يبدو عليه. وليس عبثًا أن يُقال إن الواقع يصنع الوعى. صحيح أن الجميع يدرك أن إطلاق النار لم يتوقف بشكل فعلى، لكن حين تصبح عبارة «وقف إطلاق النار» هى الوصف الافتراضى، يُنظر إلى إطلاق النار على قواتنا على أنه استثناء للقاعدة، وهذا بدوره يشكّل نظرة العالم، وما يترتب عليها من نتائج على الأرض بالنسبة إلينا.


فعلى سبيل المثال، ربما يعتقد المسئولون الحكوميون أن إيجاد حلول للشمال الذى أُفرغ من سكانه، أو للجنوب الذى يعانى، ليس أمرًا ملحًّا جدًا، ففى النهاية، نحن نعيش «وقف إطلاق نار»، ويمكن الانتظار لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور؛ كذلك يمكن أن يحدد المسئولون عن التفاوض فى وزارة الخارجية الأمريكية اجتماعات متباعدة زمنيًا أكثر مما تقتضيه الحاجة، لأن الشعور بالإلحاح موجود، لكنه ليس ملحًّا؛ وبالتالى تكون توقعاتهم من إسرائيل متماشية مع ذلك. وفعلًا، وكما يليق بـ«وقف إطلاق النار» فى الشمال، فإن الجيش الإسرائيلى فى وضع دفاعى، وليس هجوميًا. القوات ثابتة فى مواقعها، ومنذ ثلاثة أسابيع، تتمتع ضاحية بيروت الجنوبية بحصانة، كما أن التغطية الإعلامية الدولية لا تسارع إلى الاهتمام بكل احتكاك. وهكذا يصبح مقتل جنودنا "مجرد" انحراف عن حالة الهدوء المتفق عليها، وليس حربًا كاملة.


فى فبراير 2022 صرّح نتنياهو بأن رئيس الوزراء يجب أن يكون قادرًا على قول كلمة واحدة لرئيس الولايات المتحدة، وهذه الكلمة هى لا. هذا صحيح، لكن ليس تمامًا، لأن تجربة «وقف إطلاق النار» فى لبنان وغزة تتطلب تحديثًا للمصطلحات اللغوية المستخدمة مع الرئيس الأمريكى؛ ليس فقط «لا»، بل أيضًا «ليس تمامًا»؛ يجب توضيح الأمر لأقوى رجل فى العالم أن هذه ليست هدنة تامة، بحسب الاتفاق، وإنه ليس هدوءًا تامًا، وليس بالضبط وضعًا تستطيع فيه قواتنا أن تتعرض للهجمات من دون رد، لأن إسرائيل ليست فى حالة «وقف إطلاق نار تام»، بل فى حالة «اشتعال نار». والمعنى العملى لذلك هو ضرورة منح الجيش الإسرائيلى مرونة أكبر وقيودًا أقل، وبشكل خاص فى الشمال. يجب السماح بالرد حيثما تدعو الحاجة، ليس بهدف إشعال الحرب، بل من أجل أمن قواتنا، وإدارة العمليات السياسية بحساسية، لكن من موقع قوة.


وقبل كل شىء، إن أخطر نتائج التمسك بالمصطلحات الخاطئة تتعلق بالمواطنين أنفسهم؛ فعندما يتناقض الخطاب مع ما يحدث فعليًا، ينشأ تنافُر إدراكى؛ فالعقل يسمع عبارة «وقف إطلاق نار»، لكن القلب يعلم أن هذا غير صحيح، والنتيجة هى أزمة ثقة. لقد كثُر الحديث خلال الحرب عن الصمود المجتمعى، لكن لم يجرِ الحديث بما يكفى عن العوامل التى تُضعف هذا الصمود؛ إن اظهار الواقع بصورة مشوهة هو أحد هذه العوامل بالضبط.

غادى عزرا
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved