ماذا لو كان الحل ألّا نبحث عن حلٍّ؟

هنا أبوالغار
هنا أبوالغار

آخر تحديث: الخميس 28 مايو 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

نشأتُ مع أسرتى فى شقة إيجار قديم فى عمارة صغيرة فى شارع أبو المواهب فى العجوزة. كانت العمارة ثلاثة طوابق فقط، يسكن بعض شققها الملاك أنفسهم، بينما تُؤجَّر البقية بعقود إيجار قديم. كنا نجدد الشقة ونستثمر فيها كما لو كانت ملكًا لنا، نغير الأرضيات والمطبخ والحمامات، ونشعر أننا نستثمر فى بيت لم نملكه على الورق لكنه أعطانا طمأنينة واستقرارًا، وكنا نرى فيه سكنًا دائمًا لا حاجة إلى تغييره.


كانت أمى تواجه مشكلات يومية، وعندما زادت أصبحت مرهقة؛ خلافات حول نظافة السلم مع المستأجرين والبواب، إزعاج بسبب الضوضاء أو حول طريقة استخدام الجراج. فى المقابل، كانت لدينا بلكونة رائعة بها أجمل شمس فى الشتاء وأطرى نسمة فى ليالى الصيف، وحجرة صغيرة لكل منا أنا وأختى، وصالة نتشاركها جميعًا، وحياة كاملة خارج باب الشقة؛ شارع هادئ، عمارات منخفضة، حديقة عامة قريبة، وجيران نعرفهم ويعرفوننا. لم تكن العلاقات بالضرورة عميقة، لكنها كانت حاضرة. تبادل مفاتيح، سؤال فى الأعياد، تبادل نواقص فى الأكل أو الأدوات، شعور بأنك جزء من مجتمع. كنا نمشى فى شارع بيتنا الصغير ونحن أطفال فى السادسة والسابعة، نشترى من دكان فكهانى وبقال صغير ونعود إلى البيت دون أن نترك الرصيف أو نعتبر طريقنا مخيفًا، نتعامل مع الناس على اختلاف طبقاتهم، نعيش داخل نسيج اجتماعى حقيقى، فيه الطبيب والموظف والعامل وصاحب المحل والبائع. كانت الفروق الطبقية موجودة بالطبع، لكنها لم تكن حادة أو معزولة، كما أصبحت لاحقًا. ليس صحيحًا أننا كنا متشابهين، فقد كانت هناك اختلافات فى الثقافة والعادات، لكنها لم تجعل حياتنا معًا مستحيلة.


• • •
بعد الزواج انتقلتُ إلى شقة تمليك فى عمارة أكبر وأكثر حداثة (الدنيا تغيرت وفكرة الإيجار لم تعد على الساحة). حى الدقى كان يتغير بسرعة. الفيلات والعمارات ذات الطوابق الثلاث بدأت تختفى لتحل محلها أبراج أكبر وأكثر كثافة، الشوارع ضاقت بالمارة، والأرصفة احتُلَّت بكراسى الكافيهات وبضاعة المحلات، وبدأنا كمارة نتصارع مع السيارات والموتوسيكلات على الطريق، كلٌّ منا يرى أنه أولى به. بالتالى كان مستحيلًا السماح لبناتى أن ينزلن الشارع دون شخص كبير، ولم تبدأ علاقتهن المباشرة بالشارع واكتساب مهارات التعامل معه بأمان إلا فى الإعدادى، أى بعد جيلى أنا بمرحلة دراسية كاملة. وأضيف إلى مخاطر المرور مشكلات حقيقية مرتبطة بأن تشرح لبنت صغيرة ماذا يعنى التحرش وكيف تحمى نفسها منه، وفى نفس الوقت أهمية أن تكون معتمدة على نفسها وتعرف كيف تتنقل فى شوارع مدينتها بأمان.


مع ذلك، حتى بعد أربعة وثلاثين عامًا، ظل هناك شىء من روح الحياة فى مدينتنا القديمة. عمارتنا تُدار حتى الآن من خلال اتحاد ملاك منتخب، تنشأ أحيانًا خلافات، لكنها نادرة حول الصيانة والتزام البعض بدفعها، لكن الواقع أن السكان يشعرون بأن المكان يخصهم، وأن الحفاظ عليه مسئوليّتهم. العلاقات الاجتماعية داخل العمارة الجديدة أكثر تحفظًا من بيتنا فى العجوزة، لكنها موجودة. حديث سريع مع جار فى المصعد، طلب مساعدة من أحد الجيران وقت المرض، معرفة متبادلة بأسماء الجيران وأولادهم، وصداقات بين الأطفال. الأهم أن الحياة اليومية ظلت مرتبطة بالشارع. ما زلنا ننزل لقضاء احتياجاتنا سيرًا على الأقدام، ونتعامل مع المدينة بكل ما فيها من زحام وضوضاء وحيوية. معظم احتياجاتنا اليومية فى محيط المنزل أو على بعد مشوار قصير بالسيارة.


• • •
مع الوقت بدأ سكان عمارتنا فى الهجرة إلى المدن الجديدة، وأجروا شققهم فيها أو باعوها لشركات. سُلَّم بيتنا أصبحت رائحته سجائر طوال اليوم بسبب الموظفين الممنوعين من التدخين داخل مكاتبهم، ولا يعتبروننا جيرانهم بالمعنى الذى يخلق حرجًا فى كونهم يؤذوننا بدخانهم.


بدأ الأصدقاء وأفراد الأسرة من حولى فى الاستثمار فى شقق فى زايد، وخُيِّل لى أن الاستثمار الاقتصادى السليم هو شراء شقة صغيرة بالتقسيط على أمل أن تكون سكنًا لى أو لإحدى بناتى إذا ما اشتد الخناق علينا فى الدقى، فسكنّا فيها. وبالفعل تعاقدت على شقة صغيرة فى كمباوند فى زايد بالتقسيط. مثل كثيرين من جيلى، كان لدىّ حلم بأن أجد مكانًا أكثر هدوءًا وتنظيمًا وأمانًا فى المستقبل، بعيدًا عن الضغط والفوضى التى أصبحت تزداد عامًا بعد عام فى مدينتنا التى قهرتنا.


الكومباوند منظم وحديث، يكاد يكون مؤسسة أو بنكًا أو مبنى إداريًا. الدخول والخروج ببوابات إلكترونية وQR code، وتعليمات الإدارة للسكان كثيرة ومعطلة للحياة اليومية الطبيعية؛ مواعيد نقل الأثاث، تصاريح العمال، قواعد استخدام البلكونات، وما يجوز وما لا يجوز. العلاقة ليست مع جيران أو سكان أو بواب أو فرد أمن، بل مع شركة إدارة وتطبيق على الهاتف وخدمة عملاء، أصوات بلا وجوه، ورسائل إلكترونية وتليفونية متبادلة بلا تواصل بشرى، نادرًا ما ترى وجوهًا مألوفة أو أطفالًا يلعبون أو جيرانًا يقفون للحديث، حتى عمال النظافة والأمن مستحيل إنشاء علاقة إنسانية معهم، فهم يتغيرون طول الوقت وفى حالة هرولة دائمة، مثل سرب من النمل الآلى، كل شىء هادئ ومرتب ونظيف، لكنه أيضًا معزول وبارد، كأنك تعيش فى فندق أو منتجع أكثر من كونك تعيش فى حى سكنى حقيقى، الخدمات المقدمة رفاهية تدور حول التسوق فى المول لشراء ملابس أو شنط أو بارفانات، التفاصيل اليومية البسيطة التى كانت تصنع روح المدينة لا وجود لها. لا نرى مكوجيًا ولا ترزيًا، ولا حتى سوبر ماركت صغيرًا يوفر الطلبات اليومية، لا بد أن تأخذ سيارة لتتسوق. عندما يعلنون بيع «وحدات» سكنية، فهذا بالفعل ما يبيعونه، وحدة منفصلة، وعدٌ بأن تعيش أنت وأسرتك حلمكم بألّا تنزعجوا بالمجتمع.


أسأل نفسى: ما الذى يجعلنى أترك بيتى فى الدقى.. ولماذا نحن دائمًا فى حالة انتقال وهجرة داخلية مستمرة؟


• • •
أجدادنا بنوا مدنًا رائعة عاشت عقودًا، بل آلاف الأعوام، معمارهم كان يهدف للبقاء، الفراعنة مرورًا بالعصر القبطى والإسلامى وحتى مصر الحديثة، كله بُنى ليبقى ويضيف لمن سبق. ثم جاءت نهاية الستينيات وبدأ المصريون يتركون مدنًا حديثة كاملة كانت عامرة بالحياة والجمال المعمارى والنسيج الاجتماعى؛ طنطا والمحلة الكبرى والمنصورة وأسيوط وسوهاج، كلها هجرتها أسر بأكملها إلى القاهرة. أما داخل القاهرة نفسها فتركنا أحياء مثل الحلمية وحلوان إلى المهندسين والدقى، ثم تركنا الزمالك وجاردن سيتى ومصر الجديدة إلى الشيخ زايد والتجمع الخامس.


فى كل مرة نترك وراءنا ازدحامًا وعشوائية وقبحًا. نفس الأمر حدث فى الساحل الشمالى، هربنا من الإسكندرية إلى العجمى، ثم واصلنا الهروب غربًا عامًا بعد عام، بحثًا عن هدوء ونظام ورقى نظن أننا سنجده فى مكان أبعد.


ربما المشكلة ليست فى المكان. ربما نحن نهرب من تحولات أعمق حدثت داخل المجتمع نفسه. عدد سكان تضاعف بسرعة مرعبة أمام تراجع إدارى وخدمى، وعشوائية امتدت من البناء إلى التعليم والصحة والمهن والتعاملات اليومية واستخدام الفضاء العام. أصبح الكثير منا يشعر بالغربة فى مدينته. لم نعد نطمئن إلى أن أى مكان سيظل هادئًا أو جميلًا بعد عشر سنوات، فكان حلنا أن نستمر فى الحركة، فى البحث عن «مكان أفضل»، بينما نحمل معنا نفس الضغوط ونفس الفوضى ونفس القلق الجماعى، «البيت والسكن» لا يُبنى بالـQR code ولا تحميه الأسوار، البيوت تُبنى بالاستقرار والذكريات والخطط لغدٍ داخل نفس الجدران. البيوت والمدن مثل البشر، إذا هُجرت حزنت.


فماذا لو لم يكن الحل فى الحركة؟ ماذا لو كان الحل ألّا نبحث عن حلٍّ؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved