درس منير الصياد وجيله!
عبد الله السناوي
آخر تحديث:
الأحد 28 يونيو 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
من مفارقات التواريخ أن يرحل أبرز قادة المقاومة اللبنانية فى مواجهة الاجتياح الإسرائيلى لبيروت عام (1982)، فى نفس يوم توقيع اتفاق إطارى مع قوات الاحتلال نفسها بعد أربعة وأربعين عامًا، كأن مغادرة الحياة كلها نوع من الاحتجاج.
فى ذلك الزمن البعيد وجد الشاب البيروتى «منير الصياد» نفسه أمام تحدٍّ وجودى: إما أن يكون لبنان عربيًا، أو لا يكون، وأن يقاوم جحافل الغزاة، أو يستسلم لسطوة الاحتلال.
كان قراره حاسمًا رغم قلة العتاد والسلاح.
هكذا، فإن الشعوب تنتدب، فى أوقات المحن، من يدافع عنها ويرفض، باسمها، رفع أية راية بيضاء.
كانت الحرب الأهلية اللبنانية، التى اندلعت عام (1975)، ما زالت مشتعلة فى أرجاء البلد.
بعد ثلاثة أعوام من انسحاب قوات الغزو، تجمع مئات الشبان فى دار سينما بشارع الحمراء للاحتفاء بزيارة وفد قادم من مصر.
أخذوا يهتفون بحماس بالغ: «يا بيروت مين حماكى؟.. الاتحاد الاشتراكى.
اتجهت الوجوه إلى أمين عام التنظيم «منير الصياد»، المكنى بـ«أبو الهيثم»، كأنها تحية واجبة واعتزاز بالدور.
لم يكن حزب الله قد نشأ بعد.
فكرة المقاومة أكبر من أن يلخصها حزب، أو تيار واحد.
إذا انقضت مقاومة ظهرت أخرى.
هذه حقيقة يثبتها التاريخ اللبنانى نفسه.
بقوة الاحتياج إلى ما يرد اعتبار البلد أمام نفسه، قبل أى شىء آخر، نشأت مقاومة مشتركة لبنانية فلسطينية، حاولت، بقدر ما تستطيع من قوة إرادة، أن تحمى مقاتلى منظمة التحرير الفلسطينية من الاجتثاث، وصمدت وتصدت لمدة ثلاثة أشهر لهجمات ضارية تقصف جوًا وبحرًا غرب بيروت، حيث تمركزت قوات المقاومة.
كان على رأس المقاومين «ابن عين المريسة»، حيث نشأ وعاش وسط البسطاء والصيادين.
كانت الجبهة الوطنية اللبنانية، التى قادها الزعيم الاشتراكى «كمال جنبلاط»، هى العباءة الواسعة للمقاومة اللبنانية الناشئة.
أُجبر الاحتلال، فى النهاية، على الانسحاب من بيروت، لكن المقاومة الفلسطينية اضطرت إلى الخروج من لبنان والذهاب إلى تونس، لتبدأ حقبة جديدة تنتبه إلى الداخل، فكانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
اتخذت العملية العسكرية الإسرائيلية فى لبنان الاسم الكودى «السلام للجليل».
لم يكن طلب السلام هدفًا إسرائيليًا حقيقيًا فى أى وقت، لا فى عام (1982)، ولا الآن.
«يا أهلى فى لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة».
كان ذلك توصيفًا دقيقًا لرئيس مجلس النواب اللبنانى «نبيه برى» للاتفاق، محذرًا من الخطر الداهم، الذى يتهدد البلد ومصيره، وينذر بحرب أهلية جديدة ومدمرة لأى أمل فى المستقبل.
لا يمكن استبعاد مثل هذا السيناريو الكابوسى، فهو مقصود تمامًا، من الاتفاق الإطارى، الذى وقع فى واشنطن برعاية أمريكية كاملة.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» لا تدع مجالًا لأى اجتهاد، ولا أى ادعاء، بأنه يحفظ سيادة لبنان ويؤدى إلى تحرير أراضيه المحتلة.
«إسرائيل ستبقى فى الحزام الأمنى لحين تجريد حزب الله من سلاحه».
هذا هو الاستهداف الإسرائيلى المعلن والواضح من عقد الاتفاق الآن.
الكلام بحذافيره كرره وزير دفاعه «يسرائيل كاتس»: «لا انسحاب قبل تجريد حزب الله من سلاحه».
الأخطر والأفدح أن الإسرائيليين يتحدثون علنًا عن جر لبنان إلى الحرب الأهلية، رهانًا على الانقسام السياسى والطائفى الفادح، إذا ما عجزت الحكومة اللبنانية عن الوفاء بمقتضيات تجريد حزب الله من سلاحه.
من منظور السلطة التنفيذية اللبنانية، فإن الاتفاق «انتصار للحل الدبلوماسى وتغليب لمنطق الدولة»، أو أنه «الخطوة الأولى» لفرض سيادتها على قرارى الحرب والسلم.
هذا طلب مشروع تمامًا، شرط أن تتوافر مقوماته، وأهمها الإجماع الوطنى ووجود استراتيجية متوافق عليها للدفاع الوطني.
بأية قراءة سياسية للحقائق الأساسية، فإن المقصود بالضبط إبعاد إيران عن أية مفاوضات بشأن الحرب على لبنان.
لا يخفى على أحد أن التمسك الإيرانى ببنود مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب على كافة الجبهات، خاصة لبنان، هو الدافع الأساسى، وربما الوحيد، لما جرى من ضغوط أمريكية على إسرائيل وحكومتها اليمينية لوقف الحرب، حتى لا يفسد استمرارها التفاهمات الأخرى، وأهمها إعادة فتح مضيق هرمز.
بصورة، أو أخرى، تحاول الإدارة الأمريكية تخفيف ضغوط اللوبيات الموالية لإسرائيل فى الكونجرس الأمريكى، بفصل المسارين: الأمريكى الإيرانى، والإسرائيلى اللبنانى، حتى تنفرد تل أبيب بالمسار الثانى.
هكذا قفز الاتفاق إلى الواجهة بعد خمس جولات عقيمة فى واشنطن.
يستلفت النظر أنه ينص على تشكيل لجنة تنسيق عسكرية ثلاثية: أمريكية إسرائيلية لبنانية، لمتابعة وقف إطلاق النار.
استُبعدت أية جهات أخرى كُلِّفت بالدور نفسه وفق مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، حتى تكون إسرائيل رقيبًا منفردًا على انتهاكاتها!
من منظور المقاومة، فإن «الاتفاق مذلة وعار وتنازل عن السيادة».
«لن نسلم السلاح تحت أى ظرف».
«لن نترك الميدان فى أصعب الأزمات.. ولن نتركه أبدًا».
كان ذلك تحديًا صريحًا ومباشرًا على لسان الشيخ «نعيم قاسم»، أمين عام حزب الله.
لا يوجد أدنى التباس فى أهداف الاتفاق، ومع ذلك تتردد عبارات السيادة فى الخطابين الرسمى والمعارض.
السيادة قضية جوهرية، لا شك فى ضرورتها، لكن المقاربة الرسمية خاطئة تمامًا، وتحتاج إلى نقاش داخلى جدى حتى لا تتحول إلى ذريعة يُغتال بها كل معنى فى لبنان.
يحتاج البلد أن يستعيد ذاكرته حين نشأت المقاومة فى خضم حرب (1982) وتحدياتها الجسيمة.
بقوة المقاومة أُسقطت اتفاقية (17) مايو (1983)، التى فرضت بالدبابات الإسرائيلية.
أى اتفاقية مماثلة سوف تلقى المصير نفسه.
هذا هو درس التاريخ، درس «منير الصياد» وجيله من المقاومين اللبنانيين.