كيف يفكر الحكام العرب؟
مصطفى كامل السيد
آخر تحديث:
الأحد 28 يونيو 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
السؤال مهم، ولكن حسب معرفتى نادرة هى الكتب التى تبحث فى عقل الحكام العرب، وتخوض فى محددات العقل السياسى لهم، بحيث نستطيع بمعرفة هذه المحددات أن نفهم، بل نتنبأ بطبيعة السياسات التى يمكن أن يتبعوها، بل ونوع القرارات التى قد يتخذونها. ولكن هناك كتابا خاض هذه المغامرة وهو كتاب «العقل السياسى العربى، محدداته وتجلياته» للمفكر المغربى الشهير والراحل الدكتور محمد عابد الجابرى، وهو الثالث للمؤلف فى سلسلة نقد العقل العربى، وصدر هذا الكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت فى طبعته الأولى سنة ١٩٩٠.
ومن المفيد التذكرة بأن هذا الكتاب يتمايز من حيث موضوعه عن سلسلة دراسات المؤلف عن نقد العقل العربى، وهى التى جاء فيها بتصنيفه لاتجاهات الفكر العربى عموما من حيث مناهجها بين ثلاث وهى منطق البيان ومنطق العرفان ومنطق البرهان. الأول شائع فى دراسات الفقه ويعتمد على المقارنة أو القياس والبحث عما هو موضع الإجماع، والثانى شائع بين الصوفيين منطلقا مما يوحى به الحدس والقلب، والثالث يستخدم البرهنة المنضبطة سبيلا للوصول إلى استنتاجات يقبلها العقل. وينعى الجابرى على الفكر العربى قديما وحديثا شيوع المنهجين الأولين والابتعاد عن المنهج الثالث الذى هو طريق النهضة. ولكنه فى هذا الكتاب يلقى الضوء على محددات وتوجهات الحكام العرب. صحيح أنه يقصر دراسته على الحضارة الإسلامية بـدءا بالدعوة المحمدية وحكم الخلفاء الراشدين ومواصلا فحص ممارسات هذه الحضارة فى ظل الخلافتين الأموية والعباسية، ولكن إشاراته عديدة إلى أن العقلية التى سادت فى هذا الماضى يمتد تأثيرها إلى الوقت الحاضر. ويستخدم كتابات المؤرخين والكتاب العرب الثقات مثل الطبرى، والطرطوشى، والمقريزى، فضلا عن كتاب الآداب السلطانية مثل ابن المقفع والجاحظ والماوردى غيرهم، ويتعامل معهم جميعا ومع غيرهم على نحو نقدى. ومن هنا أهمية هذا الكتاب وأهمية التساؤل الذى يطرحه، فهل تمتد محددات وتوجهات العقل السياسى العربى فى تلك العصور الماضية إلى الأوضاع العربية فى القرن الحادى والعشرين؟
المحددات والتوجهات
ويطرح الجابرى عددا من المحددات للعقل السياسى العربى فى فترة دراسته منها اللاشعور السياسى وهو الذى يبرز ما هو سياسى فى السلوك الدينى والعشائرى داخل المجتمع العربى القديم منه والمعاصر، ومنها المخيال الاجتماعى وهو بحسب تعريفه الصرح الخيالى الممتلئ برأسمالنا من المآثر والبطولات وأنواع المعاناة، وهو الصرح الذى يسكنه عدد كبير من رموز الماضى من حاتم الطائى إلى عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وهارون الرشيد وألف ليلة وليلة والأولياء الصالحين وجمال عبد الناصر، وأخيرا المجال السياسى هو المجال الخاص الذى تمارس فيه السياسة بدون مؤسسة دينية. ويضع الجابرى المجتمعات العربية كلها فى إطار المجتمعات السابقة على الرأسمالية، ومن ثم فتجربة المجتمعات الرأسمالية على مسار الحداثة لا تنطبق على المجتمعات العربية، ولذلك يخلص من دراسته لتاريخ هذه المجتمعات أن توجهات حكامها تعكس ثقل ميراثها الماضى وهى دور القبيلة فيما يسمى بالتجنيد السياسى، وأهمية الغنيمة كحافز للانخراط فى أنشطة الحكم، وتشكل المخيال السياسى بعقائد خاصة كلها تجعل الدين بتفسيراته المختلفة مرجعا لها.
ويبحث الجابرى تجليات هذه التوجهات الثلاث فى مسيرة المجتمع العربى الإسلامى. كان انتماء الرسول عليه السلام والخلفاء الراشدين لقريش واحدا من عناصر تميزهم إلى حد أن كتاب الفقه الإسلامى اعتبروا أن الانتماء إلى قبيلة قريش هو واحد من شروط الخلافة، واعتمد الأمويون على انتسابهم لفرع بنى عبد مناف فى قريش وعلى قبائل أخرى لا تتنمى إلى فرع بنى هاشم لبناء قاعدة اجتماعية لحكمهم، وتوسع العباسيون فى ضم قبائل ْفى القيام بثورتهم ضد الحكم الأموى، وبلغ من تعدد الثائرين ضد الحكم الأموى أن جابرى أطلق عليهم وصف «الكتلة التاريخية» التى جمعت عربا وفرسا ومفكرين ناقدين للمذهب الجبرى الذى عول عليه الأمويون لكسب الشرعية لحكمهم. وذهب إلى أن الخلافة العباسية ابتعدت عن الاستناد إلى قبيلة محددة كما كان الحال فى سابق عهدها.
ولا ينكر الجابرى أن الغنيمة لم تكن الحافز الوحيد للانضمام إلى الدولة الإسلامية الجديدة، ولكنه يوضح أنه منذ خلافة عثمان أصبحت الاستفادة من موقع السلطة لتراكم الثروة لدى الخليفة وأنصاره واحدة من أسس تأييد الحكم القائم، وقد كان الحصول على نصيب من غنائم الفتوحات للخليفة وأنصاره والجند المشاركين فى الفتوحات أمرا تقره وتنظمه الشريعة، ولكن تجاوز عثمان لهذه القواعد كان من أهم أسباب الثورة عليه بل ومقتله. ولكن هذا الخروج على قواعد الشريعة بالنسبة لمغانم الفتوحات والتى اتسعت لتشمل بلدانا عديدة فى الشام والعراق ومصر فضلا عن بلاد الفرس وأخرى أصبح أمرا مألوفا فى ظل الخلافتين الأموية والعباسية وفقا للجابرى والمراجع التى اعتمد عليها.
وأخيرا فقد كانت العقيدة والنزاع حولها واحدة من أسس الشرعية طوال الفترة التى درسها الجابرى. والواقع أن النزاع حول العقيدة بدأ بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام فى موجة الردة عن الإسلام، والتى كانت لها دوافع عديدة، ولكن بعض المرتدين ادعوا طرح ديانات جديدة بديلة عن الإسلام، ثم كان الخلاف حول تولى عثمان الخلافة دائرا حول من هو الأحق بهذا المنصب استنادا إلى تفسير للإسلام يجعل عليا أولى به بسبب قرابته الأوثق للرسول، وأدى الصراع بينهما إلى إنشقاق من سموا بالخوارج الذين كفروا عليا لعزوفه عن رفضه للتحكيم بينه وعثمان ابن عفان. وسعى الأمويون لطرح مذهب الجبر لكسب الشرعية لتوليهم الخلافة بعد انتصارهم فى الحرب ضد على وأنصاره وعلى العكس مما كان متصورا من أن الخلافة تكون بمبايعة الصحابة، وتعددت المذاهب الفكرية الرافضة لمذهب الجبر، منها مذهب القدر، أى أن الإنسان له الاختيار بما فى ذلك اختيار الخليفة، والذى روج له المعتزلة والأشاعرة، ومنها مذهب التكفير الذى نادى به الخوارج، وأخيرا مذهب الإمامة الشيعية الذى نادى به أنصار على وأبنائه حتى بعد أن قتلوا واحدا بعد الآخر. وعندما جاء العباسيون كخلفاء جدد، فإنهم روجوا لتفسير جديد لما كان المعتزلة أنصارهم قد دعوا إليه، وهو إلباس مذهب الاختيار بثوب فارسى يجعل الخليفة اختيارا من الله عز وجل ومن ثم فهو ظل الله على الأرض وليس مسئولا أمام البشر. وقد اجتهد الشراح الفارسيون فى طرح هذا التصور الجديد وفى مقدمتهم كل من ابن المقفع والجاحظ.
هل يفيدنا هذا التصور فى فهم طبيعة النظم العربية المعاصرة:
يعتقد الجابرى أن النظم العربية المعاصرة وهى نظم قبل رأسمالية ورثت هذه الرؤية لتوجهات الحكم من الماضى مع تكييفها أحيانا لتتناسب مع مستوى التحديث الذى مرت به هذه النظم. الأساس القبلى قائم ولكنه يستند إلى علاقات متنوعة من القرابة مثل الانتماء إلى إقليم جغرافى أو طائفة معينة أو التخرج من مؤسسات تعليمية محددة أو واحد من أجهزة الدولة. القبيلة حاضرة فى النظم الوراثية فى الوطن العربى فى الخليج والأردن والمغرب حيث يتولى سلطة الحكم أعضاء القبيلة أو العائلة القائدة، وتمتد تقاليد توريث المناصب العليا فى الدولة إلى النظم الجمهورية على نحو ما كان معروفا فى سوريا واليمن وليبيا وتونس قبل ثورات الكرامة العربية فى كل منها، ومارس المنتمون إلى هذه العائلات الحاكمة أنشطة اقتصادية متعددة، ومع أن بعض هذه النظم قد أطيح بها إلا أن تقاليد تولى مناصب عليا فى الدولة من جانب أقارب رئيسها تكررت فى نفس هذه الدول كحال كل من سوريا وليبيا، ولم يعد البحث عن غنيمة بالاستفادة من تولى منصب عام مقصورا على أقارب رئيس الدولة، بل أصبح تقليدا معهودا من جانب أجهزة الدولة ذاتها فى بعض هذه الدول. وأخيرا فعلى الرغم من نهاية الصراع الإيديولوجى بين نظم تقدمية وأخرى محافظة الذى عرفه الوطن العربى فى ستينيات القرن الماضى، فلا تهمل النظم الحاكمة فى بعض الدول العربية السعى لنشر عقيدة سياسية جديدة تقوم ليس فقط على الولاء للوطن ونظام الحكم فيه، بل ولشخص رئيس الدولة باعتباره ضمان الاستقرار والرخاء، وتتنشر هذه العقيدة الجديدة من خلال المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية.
فهل يؤدى استمرار هذه التوجهات فى النظم العربية المعاصرة، وكلها فى رأى الجابرى نظم قبل رأسمالية لا تعتمد الإنجاز سبيلا للتجنيد السياسى، وتخضع ما يكسبه شاغل المنصب العام للشفافية والمساءلة، ويدور الحوار الأيديولوجى فيها على أساس منطق البرهان إلى أن تتمكن من مواجهة التحديات الخطيرة الراهنة لسيادتها ووحدتها الوطنية؟
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
الاقتباس:
يخلص من دراسته لتاريخ هذه المجتمعات أن توجهات حكامها تعكس ثقل ميراثها الماضى وهى دور القبيلة فيما يسمى بالتجنيد السياسى، وأهمية الغنيمة كحافز للانخراط فى أنشطة الحكم.