المَخْزَن

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 28 يوليه 2017 - 8:40 م بتوقيت القاهرة

سألت عن حقيبة بعينها طُفت أبحث عنها طويلا دون فائدة، أجابنى البائع الذى أعرفه منذ زمن طويل أن هذا النوع لم يعُد يُباع. قال إنه قد يجد لى واحدة فى المَخْزَن. عاد بعد دقائق قضيتها مُستطلِعَة مُحتويات المتجر القديم، وقد حمل بين يديه الحقيبةَ؛ باهتة اللون فى مناطق، داكنةً فى أخرى، لها يدٌ تكاد تنخلع مِن مكانها والأخرى ثابتة لا تزال.
قلت فى نفسى: فَعَلَ المَخْزَن أفاعيله وقضى على رونق الحقيبة وعلى أملى فيها.
***
ارتبط المَخْزَن فى ذهنى وربما فى أذهان كثيرين، بشىء طالَ حِفظه بعيدًا عن مُتناول الأيدى، وحَرَصَ صاحبُه على مَنعِه مِن التعرُّض لعوامل التعرية المُختلفة؛ الهواء والماء والشمس، بدعوى الحفاظ عليه من التلف، خاصة إذا كان طعامًا أو شرابًا. يصبح الخزن فى بعض الأحيان وسيلةً للتخلُّص مِن غرضٍ قديم؛ ضيقًا به ورغبةً فى إخلاء مكانِه لما هو أكثر أهمية. بعضُ البيوت تحوى مساحاتٍ صغيرة، مُغلقة، غرف لا منافذ لها، تُوضَع بها الأشياءُ التى يلفظها الساكنون ويطردونها مِن حاضرِهم. الأشياء التى تُضيق المكانَ فى أنظارهم وتجعله يبدو فوضويًا غير صالحٍ لحياة مُنظَّمة، مُرتَّبة ومُنجِزَة.
***
فى اللغةِ العربيةِ طيفٌ مِن المعانى والمُشتقّات مصدرها مفردة «خزن». يقول مختار الصحاح: خَزَنْتُ المال واخْتَزَنْتُهُ أى أحرزته وجعلته فى الخِزانة، وخَزَنْتُ السرّ واخْتَزَنْتُهُ أى كتمته، والمَخْزَنُ بطبيعة الحال هو الموضع الذى يُخْزَنُ فيه الشىء. نجد كذلك أن قولة «خَزِنَ اللحمُ» بكسر الزاى، تدلِّل على ما هو أقرب إلى النتيجة؛ إذ تشير إلى أن اللحم أَنْتَنَ وتغيرت رائحته ربما جراء عزلِه وكتمِه.
***
أولُ خاطرٍ لصديقة سألتها عما يقفز إلى ذهنها حين يُذكَر المَخْزَنُ: كُتُبٌ مَصفوفةٌ فوق بعضها أو أشياءٌ قديمة، مُكدَّسة، عفا عليها الزمن. أولُ خاطرٍ وَمَض فى رأسى حين ألحَّت علىّ الكلمة كان أكثر قتامة. فكرت وربما كان لعملى دور كبير فيما فكرت، أن أصحابَ السطوة وأربابَ السُلطة يُطلقون كلمة «المخزن» مَجازًا على المكان أو الأمكنة التى يحتفظون داخلها بالأشخاص مُقيَّدى الحرية، كأنهم بضائع مُكدَّسة تنتظر التصرف فيها.
أرعبنى خاطرى التلقائى؛ المخزن للجماد فى العادة، والجديد أن يحوى بشرًا، والمرعب أن يتحول الأمر إلى واقع عادى لا يصحبه جزعٌ إذا ما مرَّ على البال، بل يجىء مروره هادئًا خفيفًا.
***
ثمة بشرٌ يتم إخفاؤهم قسرًا، ينقطع أثرهم إذ فجأة فكأنهم لم يوجدوا من قبل على الأرض، ثم إذا بهم يظهرون؛ يخرجون من المخزن كما خرجت الحقيبة: جثامين لا روح فيها أو أجسادا بها قطرات من الحياة، لكنها محملة بالندوب والجروح والحروق والكدمات، موصومة باتهام أو ما يزيد، تنتظر حكمًا يحرمها الحرية أو يقضى بإبادتها.
تتوالى الأخبار يومًا بعد يوم عن تصفيات بحق من يطلق عليهم «إرهابيون»، عن قتل «تكفيريين» وعن الانتقام من متهمين أو ضالعين فى ارتكاب عنف. يتبين بعد قليل أن هؤلاء الذين قضوا نحبهم كانوا فى مخازن السُلطة طيلة أسابيع أو شهور هى وقت وقوع الجريمة، وأننا لن نسمع منهم أو عنهم إلا عبر بيانات رسمية تسقط علينا من سماء الحاكمين، وتطلب منا أن نتحلى بفضيلة الخرس ونعمة عماء القلوب والبصائر. لن نسمع إلا ما يدين ويشين ويستجلب اللعنات، بينما ذوو المخفيين سلفًا فى المخازن، المقتولين لاحقًا بدماء باردة، يصطلون بلهيب القهر.
خبر وراء خبر وتصفية وراء أخرى واتهام تلو اتهام، لا يبدو الشبانُ المُختَزَنون مِن خلال سِيَرهم الذاتية ــ القصيرة فى أغلب الأحوال كأعمارهم ــ كحِمل زائد أو كبقايا مُهملة لا تنفع ولا تفيد، لكنهم كذلك فى أعيُن مَن أجهزوا عليهم.
***
المَخْزَن بطبيعته مكان مُغلق؛ إذ عليه أن يحجب ما يحوى عن الناس فلا يضايقهم مرآه. مَخْزَن البشر فى بلدنا يحجبُ الشبانَ عن النظامِ الذى لا يرغب فى رؤيتهم ولا يطيق سماعهم، وفى الوقت ذاته فإن مِن الوظائف ما يتعدى الحَجبَ والإخفاءَ، المَخْزَن مَصدَرٌ مُتجَدِّد يمدُّ حُرّاسه بأكباشِ الفداء.
لعل مَجمَع اللغة العربية يضطلع بدوره ويشتق لنا كلمات جديدة، جديرة بوصف ما نكابده، فما عادت مُفرداتٌ مثل القمع والقهر والاستبداد قادرة على إشباع المعنى المُستَقِر فى بطوننا، القابض على أحشائنا، ناخرًا فيها، عابثًا بأرواحنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved