تحولات الشرق الأوسط التي نحتاج إلى التحدث عنها

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الخميس 28 يوليه 2022 - 7:18 م بتوقيت القاهرة

نشر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية CSIS مقالا بتاريخ 21 يوليو للكاتب جون ألترمان، يقول فيه أن هناك عدة تحولات شهدتها منطقة الشرق الأوسط منها ما باء بالفشل، إلا أن هناك تحولا معينا يستحق توجه الأنظار إليه ولا يقل أهمية عن غيره من التحولات؛ لأنه سيعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع فى الشرق الأوسط بأكمله، كما أنه سيوفر فرصة لأمريكا لزيادة ارتباطها بالمنطقة ومن ثم منافسة روسيا والصين... نعرض من المقال ما يلى.
منذ سنوات ونحن نسمع عن حدوث تحولات فى الشرق الأوسط. كان هناك أمل فى حدوث تحول ديمقراطى، ولكن باءت المحاولات بالفشل. بدأ فى الأفق حدوث تحول فى الطاقة، ويجرى الآن ــ على قدم وساق ــ تحول للمياه مع نضوب المياه الجوفية، واستنفاد المياه السطحية، وتغير المناخ، كل ذلك لجعل المنطقة القاحلة قادرة على البقاء. لكن قد يكون هناك تحول عميق بنفس قدر التحولات السالفة؛ إنه تحول قد يعيد ترتيب الاقتصاد والسياسة والمجتمع فى الشرق الأوسط بأكمله، من المغرب إلى إيران.
هذا التحول يتعلق بالعمالة. بطالة الشباب مرتفعة بشكل كبير فى جميع أنحاء الشرق الأوسط، فمعظم هؤلاء الشباب ينتظرون سنوات بين إنهاء التعليم وبدء عملهم الأول. حتى فى دول الخليج الغنية، تقترب بطالة الشباب من 30٪. وفى أماكن مثل الأردن، تقترب من 40 بالمائة. على مدى العقود الثلاثة المقبلة، إذا كانت الدول تكافح مع انخفاض إيرادات الدولة، والنمو السكانى، وركود القطاع الخاص، وإذا ابتعدت أكثر عن التوظيف الحكومى لتخفيف الضغط العام، فالنتيجة ستكون كارثية لا محالة.
بالنسبة للولايات المتحدة، هذا التحول ــ الذى بدأ يلوح فى الأفق ــ يوفر أكثر من فرصة لزيادة ارتباطها بالمنطقة. إنه أيضًا عامل ممتاز فى عالم تتنافس فيه القوى العظمى. وفى حين يجادل البعض بأن تحول الطاقة سيجعل الشرق الأوسط غير ذى أهمية من الناحية الاستراتيجية خلال عدة عقود مقبلة، إلا أن المنطقة ــ مع ارتفاع نسبة البطالة ــ ستقوض الأمن والاقتصاد العالميين. لذلك، لدى الولايات المتحدة فرصة ليس فقط لتفادى أسوأ السيناريوهات فى المنطقة، ولكن أيضًا لتعزيز مصالحها فى بيئة عالمية أكثر تنافسية.
• • •
تتنوع اقتصادات الشرق الأوسط. هناك دول غنية ودول فقيرة، واقتصادات كبيرة وصغيرة. تلعب عائدات النفط والغاز دورًا بالنسبة لمعظم الدول، فهى تمول مباشرة العديد من الحكومات؛ كما أنها تمول المنح الحكومية إلى العديد من الحكومات الأخرى.
وسط هذا التنوع نجد أن القطاعات العامة فى المنطقة كبيرة، والقطاع الخاص ضعيف. يعمل العديد من العمال فى وظائف غير رسمية، ولا يتمتعون بأجور ثابتة ولا مزايا. كما أن الحكومات تستخدم المحسوبية فى التوظيف مما يهدد السلام الاجتماعى. تميل الشركات الكبيرة إلى أن تكون ناجحة ليس بسبب الطريقة التى تعمل بها ولكن بسبب من يملكها ــ إما الدولة أو الأشخاص المقربون من الدولة. ومعظم الشركات الخاصة الصغيرة تواجه صعوبات مما يحد من آثارها الإيجابية.
الشرق الأوسط يدخل، الآن، فترة تكون فيها شريحة السكان ــ فى سن العمل ــ جزءا كبيرا من تعداد السكان. وهذه الحالة تخلق «عائدًا ديموغرافيًا»، أى حدوث نمو اقتصادى ناتج عن التحولات فى التركيبة العمرية وذلك بالأساس بسبب زيادة عدد من يعملون عن عدد الأشخاص المتقاعدين والذين هم فى سن الدراسة بجانب من هم خارج سوق العمل أصلا. إلا أن العائد الديمغرافى لا يفعل الكثير عندما يتم استبعاد النساء من سوق العمل، ولا يفعل الكثير عندما لا تستطيع المنظمات أن تكون منتجة اقتصاديًا. هنا بالضبط يأتى دور الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من كل إخفاقات الحكومة الأمريكية، تمتلك الشركات والمؤسسات الأمريكية أنظمة لتوظيف المواهب وتعزيزها. ومن بين أعظم مهاراتها مواءمة الوكالات والإدارات المتعددة لأغراض استراتيجية، والتفكير فى الخيارات بشكل منهجى، وإجراء المفاضلات بشفافية ومساءلة.
لكن معظم المؤسسات فى الشرق الأوسط لها طابع شخصى للغاية، والمواهب الإدارية نادرة. قد يكون ذلك نتاج توزيع الوظائف من قبل الأسر الحاكمة والقبيلة، لكن الأسباب لها جذور أعمق. تقييمات الأداء الحقيقية غير شائعة، وفى كثير من الأحيان، يشعر العمال بأنهم سيتحملون نتيجة خطئهم فى العمل بينما ينسب الفضل لرؤسائهم. باختصار، الخوف من المخاطرة ليس منتشرا فحسب بل إنه يشل العمل.
هناك من يجادل بأن القضية ميئوس منها لأن الإخفاقات فى الإدارة بمنطقة الشرق الأوسط ثقافية وليست تعليمية. والدراسات العالمية تشير إلى أن مجتمعات الشرق الأوسط تميل بشدة نحو التقاليد واحترام السلطة، والابتعاد عن التعبير عن الذات. ومع ذلك، فإن هذه الخصائص ديناميكية وقابلة للتأثير.
لنأخذ شركة النفط الوطنية السعودية، أرامكو، على سبيل المثال. لطالما كانت أرامكو مصدرًا دائمًا للمواهب الإدارية فى المملكة العربية السعودية على مدى عقود، وقد تم نشر مديرى أرامكو فى مشاريع وطنية معقدة للقيام بكل شىء بدءًا من بناء جامعة جديدة للعلوم والتكنولوجيا إلى إنشاء نظام مترو الرياض. تركيز أرامكو على تنمية المواهب ينبع من تاريخها كمشروع مشترك بين أربع شركات نفط أمريكية (التى اندمجت لتصبح فى العصر الحديث شيفرون وإكسون موبيل). ومنذ تم تأميم الشركة فى عام 1980، استمر نهج أرامكو فى تنمية الخبرة الإدارية.
• • •
الشرق الأوسط، اليوم، به مجتمع شاب مبدع وريادى. وأشارت بعض مراكز الأبحاث الأمريكية إلى أن النزعة الفردية فى الشرق الأوسط آخذة فى الارتفاع بشكل حاد.
ستحتاج حكومات الشرق الأوسط التى لديها أى أمل فى اجتياز الاضطرابات الاقتصادية فى العقود الثلاثة القادمة إلى التركيز بشدة على تطوير الخبرة الإدارية. ستحتاج الدول إلى رعاية المؤسسات التى يمكنها توظيف ملايين الشباب لزيادة الإنتاج وتوليد الثروة التى تدعم الدولة بدلا من الاعتماد على إعانات ومنح الدولة. القضية ستتطلب نهجًا جديدًا تمامًا لرعاية رأس المال البشرى، وسيكون تطوير المواهب الإدارية المحلية أمرًا أساسيًا. باختصار، الأزمة الحالية تمنح الحكومات الإقليمية مزيدًا من الأسباب للشراكة على نطاق واسع مع المؤسسات والشركات والحكومة الأمريكية.
روسيا والصين ليس لديهما الكثير لتقدماه للشرق الأوسط فى هذا الصدد، وليس لديهما اهتمام كبير بالسير فى هذا الطريق على الإطلاق. هما مصممتان على استخراج أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل قدر ممكن من المجهود.
بالنسبة للولايات المتحدة، هذا هو مجالها. تظل الكليات والجامعات الأمريكية نقطة جذب للناس فى جميع أنحاء العالم الذين يسعون للحصول على تعليم عالى الجودة، وقد وسعت الجامعات الأمريكية نمط التعليم الأمريكى فى الشرق الأوسط. ينبغى تشجيع هذا أكثر. كما أن الشركات متعددة الجنسيات تلعب دورًا مهمًا فى اكتشاف المواهب الإدارية المحلية ورعايتها. توفر المنظمات غير الحكومية أيضًا المجال للخريجات والخريجين الموهوبين، وقد خلق ــ أكثر من عقد ــ من حالات الطوارئ الإنسانية فى جميع أنحاء المنطقة مجموعة من الأشخاص الذين هم على استعداد لتقديم مساهمات أكبر لمجتمعاتهم. وسيكون مشاركة الولايات المتحدة فى ذلك هو جهد يستحق العناء للغاية.
كلمة أخيرة لا تنفصل عما سبق ولا تقل أهمية عنه، خَلْق أشخاص موهوبين فى الإدارة يختلف عن الاحتفاظ بهم. ومن ثم، يجب أن يرغب الأشخاص الموهوبون فى البقاء فى بلادهم بدلا من الهجرة من أجل المزيد من الحريات أو الفرص الاقتصادية. ولا بد أن يمثل ذلك حافزا للحكومات الإقليمية لتطوير أجندات إصلاح فعالة لا تخلق المواهب فحسب، بل تحافظ عليها.
• • •
القدرة على إحداث فرق حقيقى فى تنمية رأس المال البشرى فى المنطقة تجعل الولايات المتحدة ذات أهمية كبيرة لتلبية احتياجات الحكام الأكثر إلحاحًا لتجاوز الأزمات الاقتصادية، وتميز الولايات المتحدة عن منافسيها من القوى العظمى. لن يحل التعاون فى مجال تطوير العمالة محل أنواع التعاون الأمنى التى كانت فى صميم علاقات الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، ولكن يجب أن يتحركا جنبا إلى جنب.
على الولايات المتحدة أن تغتنم الفرصة. وسيكون من الخطأ إضاعتها.

ترجمة وتحرير: ياسمين عبداللطيف زرد
النص الأصلي

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved