من الإهانة إلى المقاومة
عماد عبداللطيف
آخر تحديث:
الثلاثاء 28 يوليه 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
فى العشرين من يوليو 2026، توجه آلاف الشباب نحو البرلمان الهندى للاحتجاج على تسرب اختبارات الالتحاق بكليات الطب، مطالبين باستقالة وزير التعليم لفشله فى القيام بمهامه الأساسية. يبدو هذا الاحتجاج حدثًا مألوفًا فى المجتمعات المعاصرة التى يلجأ فيها المواطنون المتضررون من إخفاقات حكومية إلى المؤسسات التشريعية المنتخبة للتعبير عن مطالبهم العامة. لكن هذا الفعل السياسى يكتسب دلالة خاصة؛ لأن من قاموا به مجموعة من الشباب، يطلقون على أنفسهم «الصراصير».
فى 15 مايو 2026، وأثناء جلسة قضائية علنية، قال القاضى صوريا كانط، رئيس قضاة الهند: «هناك شباب مثل الصراصير، لا يجدون أى عمل ولا مكان لهم فى مهنة. بعضهم يعمل فى الإعلام، وآخرون يصبحون صناع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعى، وناشطين فى قانون حق المعلومات(RTI)، ويبدؤون فى مهاجمة الجميع».
فى اليوم التالى أعلن شاب هندى فى الثلاثين من عمره، هو أبهيجيت دبكه، تأسيس «حزب صراصير الشعب». يتكون اسم الحزب من كلمة «صراصير»، التى استعملها رئيس المحكمة العليا فى اليوم السابق، وكلمتى «حزب الشعب». ويحاكى، على نحو ساخر، اسم الحزب الحاكم فى الهند حاليًا، «حزب الشعب الهندى». وهو حزب يمينى يتزعمه رئيس وزراء الهند ناريندرا مودى نفسه.
• • •
بدأ حزب صراصير الشعب بتأسيس «منصة الصراصير» على موقع X (تويتر سابقًا). حدد دبكه معايير أعضاء حزب الصراصير، وهى أن يكون الشخص «عاطلا، خاملا، مدمنًا للإنترنت، فنانًا فى النقد والسخرية». وهى الصفات نفسها التى برر بها القاضى صوريا كانط وصف شباب هنود بأنهم صراصير. فى اليوم نفسه أسس دبكه موقعًا للحزب على الإنترنت أسماه «صوت العاطلين والخاملين». وفى غضون ثلاثة أيام وصل عدد المتابعين للحزب على وسائل التواصل الاجتماعى إلى ثلاثة ملايين متابع. وفى اليوم الخامس بلغ عدد المتابعين 10 ملايين. وسرعان ما تضاعف عدد المتابعين للحزب، ففى يوم (22/5/2026) بلغ عدد المتابعين للحزب 20 مليون شخص، بزيادة 10 ملايين فى يوم واحد. هذه الملايين العشرة التى حصل عليها الحزب فى يوم واحد هى إجمالى متابعى حزب الشعب الهندى الحاكم (تأسس عام 1980) على منصة إنستجرام! وقد أوردت الصفحة التى خصصتها ويكيبيديا للحزب مراجع داعمة لهذه الإحصاءات https://en.wikipedia.org/wiki/Cockroach_Janta_Party) ).
وعلى الرغم من حجب الحكومة الهندية بعض المواقع الإلكترونية الخاصة بحزب الصراصير، فقد نظّم أعضاؤه أنشطة مجتمعية، وبعض الاحتجاجات فى الشوارع. وحولوا كلمة «الصرصار» وصورته إلى رمز احتجاج ضد الفقر، والتهميش، والاستبداد، والبطالة التى يعانى منها الشباب الهندى. وتمكنوا، فى غضون أيام قليلة، من اجتذاب اهتمام محلى وعالمى بقضاياهم ومعاناتهم.
• • •
يمكن النظر إلى حزب صراصير الشعب على أنه استجابة بليغة لخطاب السلطة، وفق مصطلحات بلاغة الجمهور. فخطاب رئيس المحكمة العليا تعمد تحقير الشباب الذين أشار إليهم فى خطابه، عن طريق تشبيههم بالصراصير. وهذا وصف تحقيرى يهين الشباب، وينزع عنهم إنسانيتهم، ويسوغ التصرف بعنف تجاههم. كان من المتوقع أن ينتج الشباب خطاب رفض لوصفهم بالصراصير، يؤكدون فيه على إنسانيتهم، ويدافعون عن حقوقهم بوصفهم بشرًا، ويهاجمون السلطة التى تمارس تحقيرًا وظلمًا لهم. لكنهم بدلا من ذلك حولوا الوصف نفسه إلى قيمة إيجابية. فأعطوا لكلمة صراصير معانى جديدة لم ترتبط بها من قبل حين تُطلق على إنسان أو جماعة من البشر. فقبل هذه الحركة كان وصف بشر بأنهم صراصير يعنى أنهم مقززون، عديمو القيمة والأهمية، يجب سحقهم متى أمكن ذلك. على النقيض من ذلك حول حزب «صراصير الشعب» اسم صراصير الشعب إلى رمز للجماعة الشعبية المهمشة التى لديها وعى نقدى، وإرادة تحدى الظلم، ومقاومة السلطة الغاشمة، وقدرة على العمل الجماعى، والحشد الشعبى، ومعرفة ومهارة تقنية تمكنها من الاستثمار الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعى. وهكذا تحولت كلمة «صرصار» ــ بفضل هذه الاستجابة البليغة لخطاب التحقير السلطوى ــ إلى رمز للنضال والمقاومة فى مواجهة سلطة غاشمة.
تُعنى بلاغة الجمهور بدراسة الخطاب الذى يُنتجه الأفراد والجماعات استجابة لخطاب السلطة. وتهدف إلى تعزيز وعى البشر فى كل مكان بالقوى الهائلة لاستجاباتهم، سواء كانت فى سياق تواصل حى أو افتراضى. هدف بلاغة الجمهور هو تمكين الجماهير من إنتاج استجابات بليغة؛ أى استجابات واعية، عقلانية، حرة، تمكِّن الجمهور من مقاومة الخطابات السلطوية التى تمارس عنصرية أو تمييزًا أو كراهية أو تحقيرًا أو استبدادًا أو قهرًا. وسواء أكانت الاستجابة فى شكل صوت مثل التصفيق، أو كلام منطوق مثل الهتافات، أو حرف مكتوب مثل رسم على حائط، أو شعار على لافتة، أو تعليق على وسيط تواصل اجتماعى، فإن هدف بلاغة الجمهور هو أن تُمارَس بوعى، وليس بتأثير العدوى، وأن تكون عقلانية، تعبر عن إرادة صاحبها الحرة، وتهدف إلى دعم القيم الإنسانية الأساسية مثل الخير، والحق، والعدل.
• • •
تقدم حركة حزب صراصير الشعب نموذجًا يُحتذى لفعالية الاستجابة البليغة. فقد تمكن الشباب المبدعون من إنتاج خطاب مضاد للسلطة، يتمتع بدرجة هائلة من الفعالية والتأثير، تحدوا بواسطته خطاب السلطة التحقيرى ضدهم. وتمكنوا من صنع حراك اجتماعى هائل، ربما يؤثر فى مستقبل بلادهم كله.
أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب