قبل أن تهتز الثقة فى جوائز الدولة

سيد محمود
سيد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 28 يوليه 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

 

الغصة التى شعر بها أدباء مصر بعد أن تخطت جائزة الدولة فى الآداب كاتبًا كبيرًا مثل جار النبى الحلو، مسألة جديرة بالتأمل؛ إذ إنها تعد دليلًا فريدًا على استحقاقه لجائزة وصلت، عبر السنوات، لمن هم أقل قيمة منه. كما أننا أمام حالة نادرة من حالات الإجماع على القيمة، وهى نادرة فى وسط ثقافى يعانى من شتى أنواع الاستقطاب.


العزاء الوحيد لمواجهة هذا الموقف يأتى من سيرة الأستاذ جار النبى – تأمل المعنى الجميل فى اسمه – فهو رجل عفيف النفس، زاهد فى أى شىء خارج الكتابة، وبالتالى سيتخطى مرارة تلك اللحظة، ويكمل أوقاته ما بين الكتابة، ومشاهدة مباريات الكرة، وملاطفة الأبناء والأحفاد، فى بيت المحلة الذى رفض أن يغادره، متمسكًا بهواه وأشواق أهله الطيبين.


وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الغصة تصبح مدخلًا للنظر فى أمر الجوائز التى بلغت مشكلاتها المزمنة حدًا لم تبلغه منذ سنوات.


والشاهد أن جانبًا كبيرًا من تلك المشكلات يعود إلى أمرين. الأول يتمثل فى جهات الترشيح المعتمدة، التى لا تزال غير قادرة على إدراك طبيعة الجائزة؛ فالجامعات، على سبيل المثال، لديها إصرار مفهوم على ترشيح أعضاء هيئات التدريس فيها، فى حين تبدو المؤسسات والجمعيات الأهلية والنقابات ذات الصلة تعانى معاناة واضحة فى التوافق على معايير الترشيح التى يمكن أن تؤهل لنيل الجائزة، كما أنها تقلد الجامعات، وتلجأ غالبًا إلى تقديم ترشيحات تعبر عن تحالفات أكثر مما تعبر عن قامات؛ فغالبية تلك الجمعيات والمؤسسات تعانى من صراعات وانقسامات فى مجالس إداراتها، كما هو الحال فى اتحاد الكتاب.


والمؤكد أن الفارق كبير بين الباحث الذى يمكن للجامعة أن تكافئه على اجتهاده العلمى بجائزة أكاديمية مرموقة، وبين الشخصية العامة التى يتخطى تأثيرها حدود التخصص، وتأتى الجائزة لتسهم فى تكريس هذا الاسم، ليصبح علامة فكرية وإبداعية مسجلة ذات تأثير فى المجال العام؛ كما كان الحال فى أسماء مثل توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويحيى حقى، ويوسف إدريس، وزكى نجيب محمود، وفؤاد زكريا.


أما الأمر الثانى الذى يضاعف من الأثر السلبى لجوائز الدولة، فيتعلق بآليات فحص الترشيحات المؤهلة لجوائز التفوق والتقديرية والنيل، التى تعد الأرفع قيمة من بين كل الجوائز المصرية. وما يحدث بالفعل أن هناك لجانًا يجرى تشكيلها بقرار وزارى، مهمتها «فلترة» بعض الأسماء واستبعادها بحجج محتلفة يراها البعض واهية. صحيح أن للمجلس الحق فى استعادة اسم أو أكثر من بين المستبعدين، كما يحق له التصويت على كل الأسماء، إلا أن وجود الآلية ذاتها أمر ينبغى إعادة النظر فيه.


من جهة أخرى، صار من المعروف أن عملية التصويت ذاتها، وفى ظل التركيبة الحالية لأعضاء المجلس، تخضع لقوة ونفوذ حملات التربيط والدعم، سواء عبر الهاتف أو التواصل المباشر. وشاهدت شخصيًا عشرات الحالات التى تخضع لمنطق «شيلنى وأشيلك، أو فوت لى اسمًا أفوت لك اسمين»؛ إذ يتوقف بعض الأعضاء، خلال عملية التصويت، لسؤال أعضاء آخرين يجارونهم فى الجلسة عن مدى استحقاق اسم من الأسماء المرشحة، ويجرى أحيانًا تمرير بعض الأسماء على الطاولات بطريقة تماثل ما يجرى فى امتحانات الشهادات العامة؛ ولذلك لا تعكس النتائج دائمًا الجدارة والاستحقاق، قدر ما تعكس صور التحالف والتربيط والخضوع لذوى التأثير والنفوذ.


ورغم وجود أسماء مشرفة فى لوائح هذا العام، ومنها الدكتور أحمد يوسف أحمد، والدكاترة مارى تريز عبدالمسيح، وأنور مغيث، وشيرين أبوالنجا، فإن ما يجرى يستحق دراسة جادة للبحث فى الأسباب التى تهز الثقة فى جوائز الدولة، والأهم الوصول إلى آلية أكثر نزاهة واستقلالية تعيد الأمل لكل صاحب موهبة أو عطاء، للحصول على جائزة تحمل اسم بلده، الذى ينعم بفيض من المواهب والقامات لا أول له ولا آخر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved