هموم خريجى الثانوية العامة
سامح فوزي
آخر تحديث:
الثلاثاء 28 يوليه 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
تعيش الأسرة المصرية منذ سنوات بعيدة الأجواء الملتهبة للثانوية العامة، وتشعر أن مصير أبنائها التعليمى معلق عليها، ورغم التطوير والتغيير الذى طرأ عليها على فترات، لا تزال لها هيبتها، وضغطها النفسى. وفى رأيى هناك اعتبارات جديدة طرأت على الالتحاق بالجامعة، لا ينبغى التهوين منها، وتضيف مزيدًا من الضغوط على الطلاب والطالبات.
أولًا: لا يزال هناك ثقل للتصنيف التقليدى ما بين كليات القمة، والكليات الأخرى، وقد ارتضى المجتمع أن تكون كليات القمة مثل الطب والهندسة، رغم أن بعضًا منها لم يعد الطلب عليه مثلما كان الحال من قبل مثل كليات الصيدلة، أو ظهرت تخصصات أخرى غير تقليدية اجتذبت الطلاب، مثل الذكاء الاصطناعى، أو بزوغ تخصصات عليها طلب مستقبلى مثل العلاج الطبيعى، رغم ما يثار من جدل الآن إزاء التوسع فى انشاء كليات للعلاج الطبيعى.
ثانيًا: تقليص أعداد الملتحقين بالكليات النظرية بشكل واضح، ومتزايد، لصالح الكليات العملية، أو ما يطلق عليه ذلك، رغم أن فائدة التخصصات النظرية حاضرة متى أحسن استغلالها مثل علم الاجتماع، فى كثير من أوجه الحياة مثل مواجهة تحديات الأسرة ومواجهة الجرائم وتعزيز التماسك الاجتماعى، وكذلك علم السياسة فى تحليل السياسات العامة، وغيرها، ولكن نظرًا لضعف الطلب على خريجى هذه التخصصات فى سوق العمل السائد، اتجهت الدولة إلى تقليص أعداد الطلاب والطالبات المقبلين عليها، أكثر من محاولة إيجاد مجالات واسعة للإفادة منها مثلما يحدث فى كثير من دول العالم.
ثالثًا: تزاحم وتزايد عدد الجامعات الخاصة والأهلية إلى جانب الجامعات الحكومية، يشكل فرصة للدراسة، وفى الوقت ذاته تحديًا أمام الأسرة المصرية. فقد تزايدت مصروفات الدراسة بالجامعات الخاصة فى الفترة الأخيرة، وهى مصروفات تستطيع بعض الأسر الوفاء بها، بينما لا تستطيع أسر أخرى ذلك، وهو ما يشكل تحديًا ماديًا خاصة إذا لم تكن هناك فرصة مناسبة للتعليم بالجامعات الحكومية.
رابعًا: تطور التخصصات الدراسية نتيجة تزايد الأخذ بتخصصات «بينية»، تمثل مناطق التقاء بين أكثر من تخصص دراسى، ويقبل عليها الطلاب والطالبات نظرًا للاعتقاد أنها تمثل المستقبل، وهى تعكس تطورًا جديدا للنظرة إلى التعليم والحياة، ينبغى أن يتعلمها الطلاب خارج نطاق النظرة التقليدية للتخصصات الدراسية من ناحية، والحديث عن كليات القمة من ناحية أخرى.
المُلاحظ أن المشهد التعليمى يزداد تنوعًا، واختلافًا، ويأخذ مناحى متغيرة، انعكاسًا لتزايد الطلب على تخصصات وتراجع الإفادة من تخصصات أخرى، وأظن أن المحرك الأساسى فى ذلك هو سوق العمل، الذى يشكل هاجسًا فى خلفية الطلاب والطالبات عند اختيار الكلية التى يلتحقون بها، فهم يريدون أن يروا فرصة عمل فى المستقبل، ولا يودون أن يتخرجوا فى كلية لا تمنحهم فرصة الحصول على عمل مناسب، رغم أن جانبًا معتبرًا من قوة العمل لا تعمل فى تخصصاتها الدراسية، وتعلمت مهن لم تؤهل دراسيا للالتحاق بها، يحدث هذا، فى الوقت الذى برزت فيه وظائف غير تقليدية تجلب على المشتغلين بها عائدًا ماليًا مُجزيًا، هى خارج الأطر التقليدية لسوق العمل، وذلك نتيجة مزيد من الاندماج فى الاقتصاد العالمى، وتأثيرات كوفيد ــ 19، والشاهد على ذلك وظائف يؤديها أصحابها من المنزل، أمام جهاز الكمبيوتر، ويحصلون على رواتب مرتفعة.
فى كل هذه الملابسات، كيف يفكر الشباب والشابات فى الدراسة والمستقبل؟ وبعض منهم يسعى إلى تنمية مهاراته، لأنهم يدركون أن الدراسة وحدها لا تكفى للحصول على فرص جيدة فى الحياة، ولا أظن أن السجال القديم الجديد عن الثانوية العامة بمعزل عن كل ذلك، بل هو فى ازدياد دائم طالما المجتمعات فى تغير متسارع.