نتنياهو فى قفص الاتهام
يحيى عبد الله
آخر تحديث:
الثلاثاء 28 يوليه 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
ينظر كثير من المحللين الإسرائيليين إلى الوضع الراهن فى إسرائيل نظرة شديدة التشاؤم تستند، فى رأيهم، إلى معطيات وحقائق؛ وهم يوجهون أصابع الاتهام بشأن ما وصل إليه حال إسرائيل إلى شخص واحد هو، مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، حتى إن، آفى بنيهو، يعقد مقارنة بين وضع إسرائيل فى الوقت الحالى ووضعها إبَّان خراب ما يُسمَّى بالهيكل الأول (دمَّره الملك البابلى نبوخذ نصر الثانى عام 586 قبل الميلاد حسب الرواية اليهودية) والثانى (دمَّره الرومان عام 70م) وما ساد عصريْهما من ظهور جماعات دينية يهودية مسلحة متطرفة (حملة الخناجر، أو «السيكاريين»، الذين قاتلوا اليهود المتعاونين مع الرومان، بحسب الرواية اليهودية)، وانقسام أفراد الجماعة اليهودية وتشاحنهم، ومن تفشٍ للفساد، وعلو الاستبداد.
يقول، آفى بنيهو: «فى هذه الأيام، نرى بأم أعيننا، عملية انهيار البيت الثالث (إسرائيل). ليس بالحرائق، ولا بالخناجر ولا بالرماح، كما فى عصر «البيتين»، الأول والثانى، وإنما بالطريقة العصرية لزماننا. أعرف أن هذا الكلام صعب، لكنى مصرٌ عليه».
• • •
تتهم جمهرة المحللين، نتنياهو، بتقويض أسس الديمقراطية، وبتقويض الأسس التى قامت عليها وثيقة (الاستقلال)، وحكم القانون، وبتقويض التماسك المجتمعى، وبتغليبه مصالحه الشخصية وسلامة ائتلافه الحاكم على مصالح الجيش والدولة، ومتطلبات الأمن، وبالتحريض ضد جميع المؤسسات، الأكاديمية، والقضائية، والإعلامية، والعسكرية حتى، وضد كل من لا يصطف معه.
يرى المحللون أن نتنياهو يؤسس لتكريس حكم الفرد الواحد، ولأن يكون ولاء كل الأجهزة له هو، شخصيًا فقط، وليس للدولة ولمؤسساتها. يستشهد بن كسبيت على رغبة نتنياهو فى أن يكون الولاء له حصريًا، باجتماع عقده مع رؤساء أجهزة الأمن ــ رئيس الأركان، ورئيس الموساد، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، ورئيس الشاباك، وكل كبار المسئولين فى هيئة الأمن ــ فى الرابع عشر من فبراير من العام الماضى بعد عودته من زيارة لأمريكا، وإبلاغه إياهم بأن «من لا سيكون وفيًا لى شخصيًا لن يكون له مكان هنا»، وبأنه عيَّن، بموجب ذلك، أشخاصًا يدينون له بالولاء والطاعة العمياء، على رأس الأجهزة الأمنية، بغض النظر عن جدارتهم، من بينهم، رئيس الشاباك، دافيد زينى، ورئيس الموساد، رومان جوفمان، ورئيس ديوان الموظفين، دورون كوهين، ومراقب الدولة، ميخائيل رابيلو، ورئيس مجلس الأمن القومى، شموئيل بن عزرا.
يستذكر، بن كسبيت، فى هذا الصدد، ما قاله له رئيس الدولة السابق، رؤوفين ريفلين، عن نتنياهو: «لا تجعل الأمر يختلط عليك. هو (أى نتنياهو) لن يذهب إلى أى مكان، سيدمر كل شىء هنا، لن يبقى حجرًا على حجر».
يشير، آفى بنيهو، إلى عاملين يرى أنهما سيعجلان بانهيار إسرائيل، هما ازدياد سطوة رجال الدين، وتفشى الفساد، مسترشدًا برأى المؤرخ الإسرائيلى، ميخائيل هرسجور، فيما يخص انهيار الإمبراطوريات، خاصة الرومانية، حيث قال: «ثلاثة عوامل أسقطت روما: البرابرة الذين تكالبوا على أسوارها، وكهنة الدين الذين أكلوها من الداخل والفساد الذى التهم ما تبقى منها».
• • •
لا يخفى على كل متابع للشأن الإسرائيلى، أن للحاخامات تأثيرًا ملموسًا فى مجال السياسة وتشكيل الائتلافات الحكومية، وفى مجال الدين وكل ما يتعلق بالحياة الشخصية للفرد اليهودى، وفى مناهج التعليم؛ حيث الهيئات التعليمية الدينية و«الحريدية» المستقلة عن أطر التعليم العلمانى، وفى مجال الأمن حيث للحاخامات، «الحريديين»، بخاصة، رأى مؤثر فى مسألة أداء الشباب المتدين للخدمة العسكرية، وفى مجال الاستيطان.
لا يقتصر الأمر على مسألة التأثير، وإنما يتعداها إلى استعمال المتدينين «الحريديين»، خاصة، الذين يدللهم، نتنياهو (راجع القوانين التى أقرها الكنيست مؤخرًا بمبادرة من نتنياهو وحزبه: قانون أساس: تعلم التوراة، وقانون تجميد اعتقال المتهربين «الحريديين» من الخدمة العسكرية)، عنفًا مدبرًا، وممنهجًا، وغير عفوى، كما أسمته «هاآرتس»، فى افتتاحيتها، ضد رؤساء الهيئات القضائية، ومنه الاعتداء على منزل نائب رئيس المحكمة العليا، نوعم سولبرج، التى قضت بوجوب إلزام «الحريديين» بالتجنيد، وبوجوب أن تعمل الدولة بشكل فعال من أجل تجنيدهم، والاعتداء على منزل ضابط رفيع فى الشرطة العسكرية بسبب تطبيقه أوامر اعتقال للمتهربين منهم من التجنيد، والتطاول على رئيس الأركان، إيال زامير، بسبب مطالبته المستمرة بتجنيدهم. لا يستبعد الحاخام، أوهاد طهرليف، وهو حاخام من التيار الدينى الصهيونى، الذى يتجند أفراده، أن يؤدى هذا العنف إلى حالة من الفوضى، وإلى احتراب أهلى.
تتهم افتتاحية «هاآرتس»، نتنياهو شخصيًا بأنه المسئول عن «منح الشرعية لعنف «الحريديين»، لكونهم حلفاءه السياسيين»، وبأنه يثبت كل يوم أن «مصير الدولة وصورتها أقل أهمية بكثير فى نظره من مصيره هو».
• • •
من ناحية ثانية، يلاحظ كل متابع للشأن الإسرائيلى أن النقاش فى إسرائيل لم يعد بين يمين ويسار، ولا حول القضية الفلسطينية، ولا حول السلام، وإنما بين كتلتين، كتلة ليبرالية ديمقراطية، ترى أن إسرائيل يجب أن تكون يهودية وديمقراطية، وأخرى دينية تسمى نفسها «الكتلة المؤمنة»، تفعل كل ما فى وسعها، كما يقول، بن كسبيت، من أجل تقويض الديمقراطية، وغمط النساء حقوقهن فى المساواة مع الرجل، وسلب الأقليات والمختلفين حقوقهم، وإخضاع سلطات الدولة، والقانون والأمن لحكم الشريعة.
أما فيما يخص العامل الثانى، المتعلق بالفساد، فإنه لا يخفى على أحد مثول كثير من الساسة، والشخصيات العامة، والموظفين العموميين، ورجال الأعمال فى إسرائيل، خلال السنوات الماضية، أمام القضاء، بسبب اتهامهم إما بتلقى رشاوى، أو الاحتيال وخيانة الأمانة، أو سوء استغلال الأموال العامة، أو استغلال الموارد العامة لتحقيق مصالح حزبية وسياسية، أو محاباة المقربين والأقارب فى التعيينات بالوظائف العليا على حساب مرشحين أكثر جدارة. والأمثلة فى هذا الشأن لا تحصى ولا تعد.
• • •
لكن، فضلًا عن العاملين اللذين أشار إليهما، آفى بنيهو، فإن ثمة عاملًا آخر أكثر أهمية، يتعلق بما آل إليه وضع المؤسسة الأمنية فى إسرائيل، وعلى رأسها الجيش. تحظى هذه المؤسسة، بكل فروعها، بمكانة خاصة، وبتوافق لا نظير له. ليست هناك مؤسسة أخرى تحظى بالهالة القدسية التى تحظى بها. من المفترض أن ينأى قادتها بأنفسهم عن الأجندات السياسية، لكن ثمة باحثين إسرائيليين يرصدون تسييسًا لها فى الآونة الأخيرة. إذ يقف على رأس وزارة الدفاع، الآن، وزيران، لأول مرة فى التاريخ، كل منهما يعمل لصالح أجندة سياسية: الأول، هو وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الذى كان أول قرار يتخذه بعد توليه المنصب هو عدم التوقيع على أوامر اعتقال إدارية بحق أفراد الميليشيات الإرهابية اليهودية الاستيطانية فى الضفة الغربية، ممن يُسمَّوْن بـ (شبيبة التلال) كى يحسن من وضعه داخل حزب الليكود، والثانى هو، وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذى يشعل منصب وزير، أيضًا، بوزارة الدفاع مسئولًا عن إدارة الاستيطان، الذى لا يضيع ساعة واحدة من الفرصة التاريخية التى سنحت له فى إقامة المزيد والمزيد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية فى الضفة الغربية، لتعزيز مكانته السياسية ومكانة حزبه اليمينى الدينى المتطرف، حزب «الصهيونية الدينية».
من ناحية أخرى، يجد الجيش فى ظل ظروف الانتشار الحالية فى جبهات عديدة ــ الانتشار فى غزة وفى جنوب لبنان، وفى سوريا، وعلى الحدود مع مصر والأردن، وفى الضفة الغربية، فضلًا عن جولات القتال مع إيران، التى لا يبدو أنها انتهت ــ صعوبة فى تحقيق الأهداف التى يحددها له المستوى السياسى، خاصة على ضوء النقص الكبير فى أفراد الجيش النظامى بعد مقتل وإصابة الآلاف، والعبء المهول الواقع على أفراد الاحتياط (الذين يخدمون نحو 300 يوم فى السنة) وما يترتب عليه من تفكك للأسر، وانهيار للأشغال وفقدان للوظائف، مع إصرار نتنياهو على إرضاء «الحريديين» والسعى لإعفائهم من الخدمة العسكرية من أجل مصالحه الشخصية والحفاظ على الكتلة الدينية، الداعمة لائتلافه.
يتعلق بهذا الأمر، الانقسام داخل الجيش، نفسه، الذى لا يخضع جنوده، الذين يؤمِّنون المستوطنين ومستوطناتهم التى تضاعفت فى الضفة الغربية، لإمرة رئيس الأركان، ولا لإمرة قائد القيادة الوسطى، وإنما يعملون لصالح المستوطنين ومعهم، كما يقول، آفى بر إيلى: «عما قريب سيكون لدينا جيش خاضع للدولة وجيش آخر خاضع للرب».
من هنا تولد شعور بخيبة أمل لدى أبناء الجيل الصاعد فى إسرائيل من المشروع الصهيونى ومن الدولة، ذاتها، ثمرة هذا المشروع، خاصة فى أعقاب السابع من أكتوبر 2023م. لقد نشأوا فى طفولتهم، كما تقول البروفيسور، نوعا لافى، وهم يُخيل إليهم «أن الصهيونية قد نجحت، وأن الدولة اليهودية لم تنج وحسب، وإنما تحولت إلى قصة نجاح عالمية. لكن قصة النجاح هذه كانت دائمًا مثار تحفظ»، بسبب الحروب التى لا تنتهي، والعنف المتنامى بداخلها، وعدم قدرتها على ترتيب أوضاعها مع جيرانها، خاصة الفلسطينيين، وبسبب الأزمات السياسية الطاحنة، التى تقسمها إلى قبائل متناحرة. لقد نشأ هذا الجيل الصاعد، كما تقول، نوعا، داخل «واقع من الاستقطاب، والريبة وفقدان الثقة فى المؤسسات».
هذه بعض، وليس كل، الاتهامات التى يوجهها بعض المراقبين إلى نتنياهو، الذى عكس، بفضل سياساته العدوانية، صورة إسرائيل فى العالم، بما فى ذلك فى الولايات المتحدة الأمريكية، من دولة ضحية إلى دولة فاشية مجرمة.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة