المدينة الخيالية والمدينة الحقيقية
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 28 أغسطس 2026 - 5:25 م
بتوقيت القاهرة
كتب ميخائيل باختين، وهو يدرس عالم رابليه، أن للشعوب عالمًا ثانيًا تعيش فيه أيام الكرنفال: عالمًا مقلوبًا يسخر فيه العامة من الملك والكاهن، ثم ينفضّ فيعود كل شىء إلى مكانه. وبعده بأربعة قرون، جاء جيمس سكوت ليقول إن ما يقوله الناس خلف ظهر السلطة -فى النكتة والشائعة والتلميح- نصٌّ خفى لا يقل عن النص المعلن أهمية. أما فى مصر، فالنكتة أقدم من الصحافة وأطول عمرًا من الحكومات. وفى أغسطس من هذا العام، ظهر النص الخفى فى منشور جادّ تمامًا، مكتوب بلغة الشكوى الرسمية، يعلن أن سعر ساندويتش «سلطع برجر» تضاعف، بينما صغر حجمه، ويطالب بتدخل عاجل من جهة مسئولة فى مدينة لا وجود لها أصلًا.
كانت الفكرة بسيطة: أن يتعامل الناس مع «قاع الهامور» -الاسم العربى لمدينة سبونج بوب الخيالية- بوصفها حيًّا مصريًا له سكان وشكاوى. تأسست المجموعة فى 11 أغسطس، وبلغت نحو 1.8 مليون عضو فى أقل من أسبوعين، وامتلأت بالجيران المزعجين والمواصلات وانقطاع الكهرباء وغيرها، مكتوبةً كلها بجدية تحاكى من يقدّم التماسًا إلى مجلس المدينة. والحيلة نفسها استعملها حمزة نمرة فى «شيكايو»، حين غنّى عن أتوبيس بلا فرامل يقوده سائق مبتهج نحو الترعة، غير أن استعارة الأغنية شفافة لا تحتمل إلا معنى واحدًا، بينما بقيت استعارة الجروب مطاطة: أغلبها مزاح خالص وقليلها تعليق مرّ، وهذا الغموض هو ما جعل الملايين يقبلون على الانضمام. ثم انتهى كل شىء فجأة: فى 23 أغسطس أعلن المشرفون تعليق نشاط المجموعة مؤقتًا، بقرار لم يُشرح، فترك خلفه أسئلة أكثر مما أجاب عنها.
•••
والمفارقة أن ما يمر فى أمريكا وأوروبا بوصفه لعبة عابرة صار فى القاهرة حدثًا. مجموعة أمريكية اسمها نتظاهر بأننا نمل بلغت 770 ألف عضو فى ستة أيام سنة 2020، فمرّت فى صفحات المنوعات ولم تشغل أحدًا. أما قاع الهامور فتحوّل خلال أيام إلى مادة للتحليل السياسى وموضوع للمقالات. الفارق ليس فى المحتوى -كلاهما نكتة جماعية عن مدينة لا وجود لها- بل فى أن كلمة «مليون شخص فى مكان واحد» تحمل فى مصر ثقلًا خاصًا. أى أن الضجيج حول الظاهرة كان هو الخبر الحقيقى، لا الظاهرة ذاتها.
لم تكن هذه الظاهرة، رغم ضجيجها، جديدة على من قرأ ما كتبه المفكرون المصريون عن الإعلام والوعى. سيد عويس، فى هتاف الصامتين، جمع العبارات التى يكتبها السائقون على ظهور سياراتهم وقرأها بوصفها الصوت الوحيد المتاح لمن لا منبر له. وجلال أمين، الذى عاش حتى رأى فيسبوك وأدرك أثره، كان قد كتب ماذا حدث للمصريين؟ قبل ذلك بسنوات ليرصد تحوّل الذوق والقيم بأدوات ما قبل النت. لكن أحدًا لم يقترب من قلب المسألة مثل نبيل على؛ الرجل الذى بدأ مهندس طيران فى القوات الجوية ثم صار أبًا للغويات الحاسوبية العربية وصاحب فكرة مشروع «صخر»، كتب فى «الثقافة العربية وعصر المعلومات» قبل ولادة فيسبوك بسنوات أن ثورة المعلومات لا تغيّر وسائل نقل الخبر، بل تعيد تشكيل العقل واللغة وبنية المعرفة ذاتها -وهو ما نراه حرفيًا فى جروب يكتب فيه مجتمعًا نصًّا جماعيًا بلا مؤلف ولا محرر ولا رأس. أما محمد حسنين هيكل، فقال على شاشة الجزيرة، فى سلسلته «مع هيكل: تجربة حياة»، إنه يقرأ مدونة «بهية» المصرية يوميًا قبل أن يطالع الصحف والفضائيات، لم يكن يتنبأ بشىء، فالمدونات كانت قائمة وفاعلة بالفعل. ما فعله أنه منح الظاهرة شرعية فهو أكبر اسم فى الصحافة العربية ورغم ذلك يطالع مدونة لا يعرفها غالبية الناس. التنبؤ شىء والاعتراف شىء آخر، والفارق بينهما هو الفارق بين من يرى الطريق قبل أن يُشقّ ومن يعبره أولًا فيطمئن الناس إلى عبوره.
•••
ولم يكن قاع الهامور لينتشر بهذه السرعة لولا أن أدوات التوليد جعلت الإتقان فى متناول الجميع. فنجاح هذا النوع من المحتوى لا يقوم على النكتة وحدها بل على دقة التقليد -كلما بدا المنشور كإعلان حقيقى أو مستند رسمى، اشتدت المفارقة- وما كان يحتاج إلى ساعات فى فوتوشوب صار يُنتَج فى دقيقة بهاتف. هكذا صارت الصورة المولّدة ركنًا أساسيًا فى صناعة الترند، لا إضافة تجميلية إليه. وفى الجهة المقابلة من المشهد، تدفع الصحافة التقليدية ثمن هذا التحول: تحليل نشرته «بريس جازيت» فى 21 أغسطس يبيّن أن زيارات أكبر عشرة مواقع إخبارية أمريكية هبطت 32% مقارنة بيوليو 2024، وأن أكبر 50 موقعًا فقدت 37% من ذروتها، وأن حركة البحث القادمة إلى «سى. إن. إن» وحدها تراجعت 61%. والمفاجئ فى هذه الأرقام أن الجمهور توقف عن زيارة المواقع أصلًا، لأن ما يريد معرفته صار يصل إليه فى مكانه: ملخّص جاهز أعلى صفحة البحث، أو منشور داخل مجموعة، أو صورة فوتوشوب عن مدينة تحت الماء.
وإذا كان المستخدم العادى قد صار ينتج المعنى بأدوات لا يملكها، فقد وجدت الدولة نفسها أمام المشكلة ذاتها. فى 24 أغسطس أطلقت وزارة الاتصالات «كرنك تشات»، وهو تطبيق محادثة يشبه «شات-جى-بى-تى» فى فكرته، ويقوم على نموذج لغوى مصرى بناه مركز الابتكار التطبيقى انطلاقًا من نماذج مفتوحة المصدر أعاد تدريبها على نصوص عربية ومصرية. ورُفع للمشروع عنوان «السيادة الرقمية»، ومعناه العملى أن تعمل التطبيقات المبنية عليه داخل مراكز بيانات مصرية. لكن النموذج اللغوى لا يعمل فى الهواء: فهو يحتاج مراكز بيانات ورقائق وطاقة، وليس منها ما يُصنع فى مصر. ولهذا كان الخبر الأهم ما جاء بعده بيومين: عرض تقدّمت به هواوى لبناء مراكز بيانات ذكاء اصطناعى فى مصر يشمل نحو ألفين وثمانى رقائق من سلسلة «أسِند» تُورَّد خلال 12 شهرًا، وتحرّكٌ أمريكى موازٍ لتجميع عرض منافس تشارك فيه إنفيديا، وإيه-إم-دى، ومايكروسوفت. أى أن السؤال لم يعد أى نموذج نستخدم، بل رقائق من ستدور عليها عقولنا الاصطناعية، وفى أى عاصمة يمكن أن يُتخذ قرار إيقافها.
تتغير أدوات التعبير بسرعة تُلهينا عن السؤال الوحيد الذى يهم: من يملكها؟ جيل اخترع مدينة تحت الماء ليقول ما يعرفه الجميع، ودولة تبنى نموذجًا لغويًا لتقول إنها تملك أدواتها، وشركتان عملاقتان تتنافسان على تزويد الطرفين بالأرض التى يقفان عليها. والمطلوب من القارئ ألا يفزع ولا ينبهر، بل أن يسأل عن الوقود لا عن الشرارة: لماذا احتاج الملايين إلى مدينة خيالية ليتكلموا عن مدينتهم الحقيقية؟ ومن يملك الآلة التى رسمت لهم شوارعها؟ فهنا، لا فى الترند، تبدأ السيادة الرقمية. أما الجروب فقد أُغلق، وبقيت المدينة- لأن ما دفع الناس إليها لم يُغلَق بعد.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية