فى الحَقّ والبَاطِل

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 28 أغسطس 2026 - 5:40 م بتوقيت القاهرة

وَصَل أحد الأصدقاء وعلى وجهه علامات الغيظ الشديد، تلته صديقة أخرى؛ ما إن رآها حتى انطلق فى وصلة تأنيب. اتفق معها على موعد فتأخرت ولم تعتذر، واضطر لمهاتفتها فأخبرته أنها لن تتمكن من مقابلته؛ لكنها راحت تطيّب خاطرَه وتتعلل بظرف طارئ أقعدها عن رؤيته، وختمَت كلامها قائلة: "حقَّك عليَّا". الاعتذار مألوف؛ يدين به القائلُ نفسَه ويحاول تخفيفَ الموقفِ المزعج الذى تسبَّب فيه، وغالبًا ما تمضى الأمور على ما يرام إذ الرجوع إلى الحق فضيلة، والإقرار بالذنب خصلة طيبة لم تعد ترى إلا فى النادر من الأحوال.


• • •
يأتى المأثور الشهير: "حقٌّ يضُر خير من باطل يسُر"، والمعنى أن الضَّرر الحاصل بسبب التزام المبادئ القويمة لأهون وقعًا من المَسلك المُنحرِف الذى يسعد به صاحبه، والعادة أن يفيد الحقُّ على المدى البعيد الآجل، وأن يؤذى الباطلُ مَن اختاره خلال زمن قصير.


• • •
إذا افترَقت الطرقُ وتباعدت مآلاتها وارتبك السائر أيها يختار؛ استرشد بالقولة الحاسمة: "الحقُّ أحق بأن يتبع"، والحكمة العربية الأصيلة تقول: "الحقُّ أبلج والباطلُ لجلج". الأبلجُ هو المُضيء المُشرِق وبالتالى يُبصِره الناسُ بينًا وجليًا؛ فلا يحتاج جهدًا للتعرُّف عليه، أما اللجلَج فهو الغامِض المُلتبِس الذى لا يتَّسم بالوضوح؛ فيختلط أمره على الناس ويُورِثهم الحيرة. تعقَّدت بنا الحياة وصار لونها الغالبُ رماديًا، لا يساعد على الحسم ولا على اتخاذ مواقف قاطعة، تداخل الأبلج مع اللجلج واحتجنا لوقفة نفصل فيها ما بين هذا وذاك، ونُعيد النظرَ فى مواقفنا ومسالكنا.


• • •
ربما يلوم أحدهم صاحبَه على التخلى عنه، والانتصار لآخر على عكس إرادته ورغبته، وإذ تحتدم الأجواء؛ يجيب المَلومُ بالإجابة المُفحِمة: "الحقُّ حَق" أي؛ هو أجدر وأولى بالتأييد، لا يمكن التسويف فيه ولا التردُّد إزاء دعمه، والمعنى غير المباشر أن اللائمَ قد حاد عن الدَّرب المستقيم، وسار معوجًا، وتعذرت بالتالى نصرته ومخالفة الضمير عبر التضامُن معه.


•••
غنَّى محمد عبدالوهاب من ألحانه: "أخى جاوز الظالمون المدى .. فحقَّ الجهاد وحق الفدا". الكلمات من قصيدة "فلسطين" لعلى محمود طه، وقد قدمها عبدالوهاب عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، والوصف حاضر، ظاهر، والموصوف لا يحتاج إلى تعريف. تمضى الأبيات فتتساءل: "أتتركهم يَغصبُون العروبة .. مَجدَ الأبوة والسؤددا؟" غرض السؤال هنا نفيٌ وإنكار، والإجابة المتوقعة بالطبع "لا"، ومِن ثمّ يأتى استنهاضُ الهِمَمَ والإرشاد لسبيل الخلاص: "وليس بغير صليل السيوف .. يجيبون صوتًا لنا أو صدى". تحمل الكلمات قدرًا وافرًا من الوضوح نفتقده فى وقتنا الراهن، فتقرُّ بالحق وتحدّد المسارَ المطلوب وتعين الأفعال اللازمة، ولا تترك فرصة لتلاعب لفظى أو للمراوغة والتهرب من المواجهة. العدو معروف والتعامل معه بما يستحق واجب لا ينبغى التنصُّل منه أو ادعاء الحكمة ورجاحة العقل إزاءه.


• • •
كثيرًا ما نستخدم تعبير: "إحقاقًا للحق" أي؛ تنفيذًا له وتوفيرًا لمتطلباته. تصدر العبارة لإضفاء الشرعية الدينية على ما سيدلى به القائل تاليًا، وغالبًا فإنه سينحاز لما سوف يثير الغضب أو الضيق. التذرع بإعلاء كلمة الحق هو الملاذ والمنجى، فلا يجوز لأحد أن يدعو علانية لتأييد باطل ولو على سبيل المجاملة، وفى هذا السياق قد ينبرى واحد بإعطاء المشورة أو لحكم فى موقف معقد بين أطراف متناحرة؛ فيبدأ كلامه وينهيه أيضًا بقولة: "حقّ ربنا"؛ يدلل بها على حياده والتزامه أسس العدل، وعدم وجود مصلحة شخصية له فى تغليب طرف على آخر. ذِكر الرَّبِ غالبًا ما يؤتى ثمارَه، فيرتضى الناسُ الحكمَ؛ لكنه قد يغدو بعض الأحيان مدعاةً للتشكيك فى الذِمَّة وتوجيه أصابعِ الاتهام للقاضى.


•••
إذا أدرك الواحد أنه أخطأ تجاه آخر قال إنه "مَحقوق" له، على وزن مفعول، والكلمة مشتقة من الفعل أحقَّ بفتح القاف وتشديدها. أحقَّ نفسه أى أدانها، والمحقوق مدان، عليه أن يكفر عن خطأه وأن يزيل أثره، وإذا قيل يحقُّ لفلان أن يفعل كذا وكيت، فمساندة له وسعيًا لإعطائه ما يستحقُّ من دعم. يحقُّ للفلسطينيين أن يقاوموا العدو الذى يحتل الأرض.


•••
درَّست كلية الحقوق المصرية مواد القانون باللغة الفرنسية، وقد تأسست أولها فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر فى عهد الخديو إسماعيل وسميت مدرسة الإدارة والألسن قبل أن تتحول إلى مدرسة الحقوق، ثم تنضم إلى جامعة القاهرة فى عشرينيات القرن العشرين، ويذكر أن الكثير من القواعد القانونية مأخوذ بدوره من القانون الفرنسى، وفى حين جاءت الثورة الفرنسية لتعلن مبادئها الثلاثة الشهيرة: حرية إخاء مساواة، وهى حقوق ثابتة وجذرية تساوى بين البشر ما حكمتهم سلطة متمتعة بشيء من الديمقراطية؛ فإن حقوق الإنسان لدى أنظمة اخرى تعبير فاحش مكروه؛ لا يُذكَر إلا وصُوِبت نحوه السهام وتغلظت التهديدات.


•••
غنَّت نور الهدى: "إن جيت للحقّ أنا زعلانه"، من كلمات عبدالعزيز سلام وألحان فريد الأطرش. اسم المطربة الحقيقى ألكسندرا نيقولا بدران وهى لبنانية الأصل، وقد أعطاها اسمها العربى يوسف وهبى فاشتهرت به وسط الجماهير العربية، خاصة بعدما مثلت عددًا من الأفلام وأدَّت عديدَ المُوشَّحات والأغنيات لتحوز لقب أم كلثوم لبنان.


• • •
تكوَّنت نظارة الحقانية فى عهد الخديو إسماعيل، ويقال إن الهدفَ الرئيس من إنشائها تقييد السُّلطة المطلقة للخديو فى البلاد، وبحث مسألة الديون التى ازدادت على غير المأمول، وقد تغير الاسم بمرور الوقت وتطوَّرت المفاهيم؛ فتحوَّلت النظارة إلى وزارة العدل وهى مفردة تبدو أكثر هدوءًا ومُسالمة، وربما تبين أن الوصولَ إلى الحقّ وتطبيقه صعبٌ عسير، وأن محاولة تحقيق العدل أخفّ وطأة وأيسر، وعلى كل حال اعتدنا أن نصف الشخص العادل بأنه حقانيّ، ومن ثم ظلت الكلمةُ فى قاموسنا اليوميّ؛ وإن بَهت حضورها وتراجعت فى ظل الأحوال المتدهورة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved