شكوى المحظوظين ونصف الحقيقة
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 28 أغسطس 2026 - 5:30 م
بتوقيت القاهرة
كل مهنة لها متاعبها ولا يوجد شخص يعمل بيديه أو بعقله أو بالاثنين معًا إلا ويبذل جهدًا يجعله فى نهاية اليوم يشعر بالتعب..هذا كلام بديهى، ومع ذلك فإن معظم الناس يتصورون أن مهنتهم هم بالذات أكثر مشقة من غيرها.
لو سألت ممثلًا مشهورًا لقال لك إنه لا يحب أن يمتهن ابنه مهنة التمثيل بعد ما لاقاه من عذاب فى مشوار الفن، وسيضرب لك أمثالًا بفنانين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس وفى النهاية رحلوا فقراء ولم يتركوا لأبنائهم شيئًا.
ولو سألت طبيبًا كبيرًا لحدثك عن سهر الليالى فى الدراسة والتعلم وقضاء العمر كله فى الاطلاع على كل جديد من بحوث ودراسات فى مجال التخصص، وكذلك عن صعوبة التعامل مع المرضى، والاضطرار للعمل أحيانًا بأقل الإمكانات، لهذا فإنه يريد لابنه حياة أقل صعوبة وتعقيدًا.
ولو سألت محاميًا ذا صيت لاشتكى من السهر على القضايا وطبيعة المتقاضين ودراسة الملفات والتنقل بين أقسام الشرطة والمحاكم والنيابات والتعامل مع أرباب الجريمة وأصحاب السوابق.
أما المذيع فسيحكى لك عن الضغط العصبى والمطبات التى تحدث على الهواء سواء أمام الشاشة أو خلف الميكروفون، ولاعب الكرة سيخبرك أنه يريد لأبنائه حياة مختلفة بعيدًا عن الملاعب والجهد البدنى وشدة الأعصاب والحسرة التى يشعر بها بعد الهزيمة وضياع البطولات ورد فعل الجمهور لدى الإخفاق.
حتى رجل الأعمال الذى دخل دنيا البيزنس وصارع الحيتان والتايكونات وتعرض للخسارة فى أحيان وفقد أصدقاء بسبب المنافسة.
سيقول إنه يتمنى لابنه وابنته حياة أقل تعقيدًا بعيدًا عن السوق وتقلباته والبورصة ومفاجآتها وسوق السندات وفصوله البايخة.
وهكذا كل واحد من هؤلاء لديه قناعة أن ما يقوم به هو عمل مضن يكلفه الكثير لذلك لا يتمناه لأولاده.
والغريب أن معظم هؤلاء لا يجد تناقضًا بين قوله هذا وبين حقيقة أن ابنه قد امتهن مهنته وأنه قد أخذ بيد هذا الابن وأدخله فى المهنة وكان واسطته التى فرضته رغم كل الظروف!
كلهم يرونها مهن شاقة ومع ذلك يورثونها لأبنائهم دون جدارة فى معظم الأحوال وعلى حساب آخرين أكثر تفوقًا واستحقاقًا.. وفى أثناء ذلك لا يكفون عن التبرم وإعلان الغضب من المهنة الشاقة التى تسرق العمر وتهلك الصحة وتتعب الأعصاب إلخ إلخ!
فى الحقيقة أن الناس لا تكذب عندما تتحدث عن متاعب مهنهم المختلفة، فالممثل الكبير لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، فقد عمل أدوارًا صغيرة فى بداية المشوار وتعرض للتنمر والإساءة من بعض الزملاء الأقدم، وقد يقوم أثناء العمل بإعادة تمثيل المشهد الذى يراه المشاهد لمدة دقائق على الشاشة لثلاثة أيام متصلة، وربما قدم تنازلات لا يفخر بها فى مشواره الفنى، فضلًا عن أنه بالتأكيد قد دفع من جهازه العصبى ثمن شهرته.
والطبيب الذى يريد النجاح يعيش تلميذًا طوال العمر حتى يحافظ على لياقته ويتعرف على الجديد فى دنيا الطب، وهو يتنقل من مستشفى لعيادة ويتعرض أحيانًا للعدوى ويواجه فى كثير من الأحيان غضب أهالى المرضى الذين يموتون رغم علاجه أو بسبب علاجه! وضابط الشرطة لا تخلو حياته من الأخطار، وقد يعمل لساعات وأيام طويلة دون توقف، وكثيرًا ما يتعرض لمواجهات مع الخطرين والأشقياء قد تكلفه حياته.
كل هذا صحيح، لكن أصحاب المهن سالفة الذكر وغيرها يخبئون جانبًا من الصورة عندما يركزون على متاعب المهنة دون مزاياها وبريقها وفلوسها، لهذا لا نسمع منهم إلا أصوت الشكوى فى الوقت الذى يستميتون لإلحاق أبنائهم بنفس المهنة التى يشكون منها!
لا يحكى الممثل النجم عن الأموال الطائلة التى يجنيها ولا عن الشهرة والمعجبات والسفر والرحلات والجوائز، ولا يتحدث الطبيب عن ثمن الكشف الذى يتقاضاه عن خمس دقائق عمل والذى يزيد عن مرتب بعض الموظفين فى شهر!
ولا يقول الضابط عن رتبة الباشوية التى تجلب المنعة والفخر التى حصل عليها من قبل أن يتخرج!
الوحيد الذى رأيته يتحدث بصدق عن مهنته كان الفنان عمر الشريف الذى لم يتردد فى أحد اللقاءات فى سنواته الأخيرة فى التصريح بأنه محظوظ للغاية، فقد كان على حد قوله يحفظ كلمتين ثم يرددهم أمام الكاميرا ويحصل على ملايين الدولارات!
وقد يكون السبب فى الحديث عن المغارم دون المغانم هو تلك الآفة المجتمعية التى نعرفها جميعًا وهى الخوف من الحسد الذى يجعل الناس تتوسع فى الحكى عن الفشل والمصائب والمشاكل والمنغصات، وتختصر إلى أقصى حد عند الحديث عن السعادة والثراء والنجاح.
لهذا فإننى تعودت ألا أعول كثيرًا على شكاوى أصحاب الوظائف المرموقة فى الجامعات ووزارة الخارجية ودنيا الطب والهندسة والمحاماة والبيزنس، وأتعامل مع حكيهم عن أنفسهم ومتاعبهم على أنه ثرثرة فارغة رغم أن الكثير منه حقيقى، لكن إخفاء الجانب المشرق فى الوظيفة هو الذى يهدر الشكاوى ويجعلنى لا أعيرها أذنى!
وفى المقابل قد أصدق عاملًا بسيطًا أو فلاحًا أجيرًا أو صنايعى باليومية أو سائق تاكسى أو عامل توصيل عندما يتحدث عن أمنياته فى أن يرى ابنه طبيبًا أو ضابطًا أو مهندسًا أو وكيل نيابة أو أستاذًا جامعيًا.
أصدقهم دون أن يضطر أى منهم أن يحكى عن متاعب مهنته ومصاعب عالمه وقسوة أيامه، ذلك أننى أراها بوضوح على الرغم من أنهم فى الغالب لا يشتكون ولا يملؤون الدنيا صياحًا وندبًا للحظ.. وذلك على العكس من السادة أولاد المحظوظة!