نحو هلسنكى شرق أوسطية
عمرو حمزاوي
آخر تحديث:
الجمعة 28 أغسطس 2026 - 5:25 م
بتوقيت القاهرة
تبدو منطقة الشرق الأوسط اليوم فى أمسّ الحاجة إلى مراجعة جذرية للطريقة التى تتعامل بها دولها والقوى الدولية الفاعلة فيها مع قضايا الأمن والصراع. فالحروب المتتالية، والتوترات الممتدة، والتدخلات العسكرية، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتراجع الثقة بين الدول، كلها تؤكد أن الاستمرار فى إدارة أزمات المنطقة من خلال القوة العسكرية أو التحالفات الأمنية الجزئية لم يعد قادرًا على إنتاج استقرار مستدام. بل إن بعض هذه الأدوات أصبح جزءًا من المشكلة أكثر منه جزءًا من الحل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير جديًا فى إطلاق «عملية هلسنكى شرق أوسطية» تستلهم تجربة مؤتمر الأمن والتعاون فى أوروبا، من دون أن تستنسخها حرفيا، بهدف بناء إطار إقليمى للحوار والتفاوض وحل الصراعات أو احتوائها، ووضع قواعد ومبادئ مشتركة تضبط سلوك الدول وتحد من مخاطر الانزلاق المتكرر إلى الحرب.
الفكرة الأساسية فى عملية هلسنكى ليست إنشاء حلف عسكرى جديد، ولا إقامة مؤسسة إقليمية ذات صلاحيات فوق سيادة الدول، وإنما توفير منصة سياسية ودبلوماسية دائمة تجمع الخصوم قبل الأصدقاء، وتتيح لهم مناقشة مصادر التهديد ومخاوف الأمن المتبادل وقضايا الحدود والسيادة والتسلح والتدخلات الخارجية والنزاعات الإقليمية. وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه منطقة الشرق الأوسط التى تعانى، على الرغم من كثرة التحالفات والضمانات الأمنية الخارجية، من غياب ترتيبات للأمن الجماعى تستطيع من خلالها دول المنطقة إدارة تناقضاتها بصورة مؤسسية ومنتظمة.
• • •
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لتوفير الأمن الإقليمى لم يعد كافيًا. فالولايات المتحدة تظل القوة الأكثر قدرة عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا على التأثير فى الشرق الأوسط، لكن سياساتها خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن وجودها العسكرى لا يعنى بالضرورة إنتاج الأمن لجميع دول المنطقة. وعندما تنخرط واشنطن نفسها فى صراع عسكرى مع إيران، أو عندما تستخدم القوة إلى جانب حلفائها فى إدارة أزمات المنطقة، تتحول القوة الخارجية التى يفترض أن توفر الردع والاستقرار إلى طرف مباشر فى النزاع. وهنا يصبح السؤال الضرورى: كيف يمكن بناء أمن إقليمى مستدام إذا كان أمن المنطقة مرتبطًا فى جوهره بقرارات قوة خارجية قد تتغير حساباتها من إدارة أمريكية إلى أخرى؟
المشكلة لا تقتصر على الولايات المتحدة. فإسرائيل وإيران أصبحتا، بدرجات مختلفة، مصدرين مستمرين لعدم الاستقرار الإقليمى بسبب اللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية وتوسيع ساحات المواجهة واستخدام الفاعلين المسلحين وغير الدوليين فى إدارة الصراعات. كما أن بعض الدول العربية تورطت، بدرجات متفاوتة، فى منطق التحالفات والمنافسات العسكرية بدلا من بناء قواعد مشتركة للأمن. والنتيجة أن المنطقة أصبحت أمام دوائر متداخلة من الردع والردع المضاد، ومن التحالف والتحالف المضاد، ومن الحرب المحدودة التى يمكن فى أى لحظة أن تتحول إلى حرب أوسع.
ومن ثم فإن المطلوب ليس البحث عن قوة إقليمية مهيمنة جديدة، وإنما الانتقال تدريجيًا من منطق توازن القوى إلى منطق الأمن المشترك. وهذا هو الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من تجربة هلسنكى الأوروبية. فقد انطلقت العملية الأوروبية فى سياق بالغ الصعوبة، بين معسكرين متنافسين فى الحرب الباردة، ولم يكن هناك آنذاك ما يوحى بإمكان تحقيق ثقة حقيقية بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة والدول الأوروبية. ومع ذلك، أدى إنشاء مسار تفاوضى مستمر إلى تطوير مجموعة من المبادئ المتعلقة باحترام السيادة وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات والتعاون الاقتصادى والإنسانى، وأسهم فى خلق بيئة سياسية أكثر قابلية لإدارة التنافس والحد من مخاطر المواجهة.
لا يعنى ذلك أن الشرق الأوسط هو أوروبا، أو أن ظروف السبعينيات يمكن نقلها إلى المنطقة كما هى. فالشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من حيث طبيعة النزاعات، وتعدد الفاعلين، وضعف المؤسسات الإقليمية، ووجود قضايا مثل القضية الفلسطينية والبرنامج النووى الإيرانى وأمن الخليج والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية. كما أن بعض النزاعات فى المنطقة ذات طبيعة أيديولوجية أو دينية أو طائفية، بينما كانت عملية هلسنكى الأوروبية تدور بصورة أساسية حول صراع جيوسياسى بين دول ومجموعات من الدول. لكن اختلاف الظروف لا يلغى صلاحية الفكرة الأساسية: الخصوم الذين لا يستطيعون الاتفاق على كل شىء يستطيعون، فى كثير من الأحيان، الاتفاق على قواعد تمنع الأسوأ.
• • •
ولهذا يمكن أن تبدأ عملية هلسنكى شرق أوسطية من مجموعة محدودة من المبادئ. فى مقدمتها الالتزام بعدم استخدام القوة لتغيير الحدود أو فرض الإرادة السياسية على الدول الأخرى، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم دعم الجماعات المسلحة التى تستهدف زعزعة استقرار الدول، والامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية، وحماية حرية الملاحة والممرات المائية الدولية، واللجوء إلى الوساطة والتفاوض قبل استخدام القوة، فضلا عن تطوير آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات.
ويمكن أن تكون الدول العربية الوازنة فى المنطقة هى الطرف الأكثر قدرة على الدفع فى هذا الاتجاه. فمصر والسعودية والأردن وقطر، إلى جانب دول عربية أخرى، تمتلك مصالح مباشرة فى خفض مستوى الصراع الإقليمى، كما تمتلك بدرجات متفاوتة قنوات اتصال مع الأطراف المختلفة. ولا يعنى ذلك أن تكون العملية عربية مغلقة، بل على العكس، ينبغى أن تضم منذ البداية إيران وتركيا وإسرائيل، إلى جانب الدول العربية المعنية، وأن تتيح كذلك مشاركة القوى الدولية المؤثرة بصفة داعمة أو مراقبة، وليس بديلا عن الإرادة الإقليمية.
والأهم أن عملية كهذه يجب ألا تشترط حل جميع القضايا الكبرى قبل إطلاقها. فإذا اشترطنا أولا حل القضية الفلسطينية أو إنهاء التوتر الإيرانى الخليجى أو تسوية كل النزاعات العربية الداخلية، فلن تبدأ العملية أصلا. الأفضل أن تبدأ من إدارة الخلافات ثم الانتقال تدريجيا إلى احتوائها، ومن بناء إجراءات الثقة إلى الاتفاق على قواعد أوسع. فالدبلوماسية لا تنجح دائما لأنها تنهى الخلافات، وإنما قد تنجح لأنها تمنع الخلاف من التحول إلى حرب.
• • •
ومن هنا تأتى أهمية أن تتضمن العملية مسارات متوازية. مسار للأمن الإقليمى، يناقش التسلح والصواريخ والطائرات المسيرة والأسلحة النووية والكيميائية ومخاطر الانتشار العسكرى. ومسار للملاحة وأمن الممرات البحرية، بما فى ذلك الخليج وباب المندب والبحر الأحمر، لأن تحويل الممرات الدولية إلى ساحات صراع يهدد المنطقة والاقتصاد العالمى معا. ومسار لتسوية النزاعات، يركز على فلسطين واليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها من بؤر التوتر. ومسار للتعاون الاقتصادى والطاقوى والبيئى، لأن الأمن لا يمكن فصله عن المصالح المشتركة التى تجعل الحرب أكثر كلفة والسلام أكثر فائدة.
وقد يبدو إطلاق عملية هلسنكى شرق أوسطية فى اللحظة الراهنة طموحًا زائدًا عن الحد، خصوصًا فى ظل الحروب والتوترات الحالية. غير أن المفارقة أن صعوبة اللحظة هى نفسها التى تجعل الحاجة إلى مثل هذه العملية أكثر إلحاحًا. فالمنطقة لم تعد تحتمل استمرار إدارة أزماتها بالوسائل العسكرية وحدها. وكل حرب جديدة تفتح الباب أمام حرب أخرى، وكل تدخل عسكرى ينتج رد فعل، وكل تحالف جديد يدفع خصومًا محتملين إلى بناء تحالف مضاد. وإذا استمر هذا النمط، فسوف يصبح الاستقرار استثناء والحرب قاعدة.
ولا ينبغى أيضًا أن تكون عملية هلسنكى بديلًا عن ترتيبات أمنية ثنائية أو متعددة الأطراف بين دول المنطقة. فهذه الترتيبات قد تكون ضرورية فى المدى القصير، لكن الفرق أن التحالفات عادة ما تقوم على تحديد خصم أو مصدر تهديد، بينما يقوم الأمن الجماعى على فكرة أكثر اتساعا: أن أمن دولة لا ينبغى أن يتحقق على حساب أمن دولة أخرى. ولذلك يمكن للتحالفات أن توفر ردعا مؤقتا، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور انعدام الثقة الإقليمى.
إن الشرق الأوسط يحتاج فى نهاية المطاف إلى الانتقال من السؤال التقليدى: من يستطيع أن ينتصر فى الصراع؟ إلى سؤال أكثر عقلانية: كيف يمكن منع الصراع من الوصول إلى الحرب أصلا؟ وهذا التحول لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها، وإنما من خلال إنشاء قواعد للحوار والتفاوض والوساطة، وإدراك أن بقاء جميع الأطراف فى المنطقة أقل كلفة من سعى كل طرف إلى إخضاع الآخرين.
ولعل مصر تستطيع أن تضطلع بدور مهم فى الدفع نحو هذه الرؤية، بحكم موقعها وثقلها العربى وعلاقاتها مع مختلف الأطراف وخبرتها الطويلة فى الوساطة وإدارة الأزمات. لكن الدور المصرى الأفضل ليس قيادة محور جديد، وإنما الدفع باتجاه إطار إقليمى مفتوح لا يستثنى أحدًا، ويضع المصالح الأمنية المشتركة فوق حسابات الاستقطاب.
• • •
فى النهاية، لا تكمن قيمة «هلسنكى الشرق الأوسطية» فى الاسم بقدر ما تكمن فى الفكرة التى يمثلها. نحن بحاجة إلى عملية طويلة النفس، تبدأ بالحوار وتنتهى، إذا نجحت، إلى بناء منظومة إقليمية للأمن الجماعى. وقد لا تؤدى هذه العملية إلى إنهاء صراعات الشرق الأوسط فى سنوات قليلة، لكنها تستطيع أن تجعل الحرب أقل احتمالًا، والتفاوض أكثر حضورًا، والوساطة أكثر فاعلية، واستخدام القوة أكثر كلفة سياسيًا.
لقد جرب الشرق الأوسط الحروب والتحالفات والردع والاعتماد على القوى الخارجية لعقود طويلة، ولم ينتج ذلك استقرارًا مستدامًا. وربما آن الأوان لتجربة شىء مختلف: أن تجلس دول المنطقة، بما فيها الخصوم، حول طاولة واحدة، لا لكى تتفق على كل شىء، وإنما لكى تتفق أولا على ألا تسمح لخلافاتها بأن تدمر أمنها ومستقبلها المشترك. تلك هى الفكرة الجوهرية التى يمكن أن تجعل من إطلاق عملية هلسنكى شرق أوسطية ليس مجرد مبادرة دبلوماسية جديدة، وإنما بداية تحول حقيقى من إدارة الصراعات بالقوة إلى إدارتها بالحوار، ومن أمن يقوم على التحالفات المتصارعة إلى أمن يقوم، تدريجيا، على التفاهمات الجماعية.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى