الآثار المترتبة على الفصل بين الجنسين

تقارير
تقارير

آخر تحديث: الخميس 28 سبتمبر 2023 - 8:12 م بتوقيت القاهرة

تواجه منطقة الشرق الأوسط ــ بما فى ذلك إسرائيل ــ وجود تيارات دينية متشددة فى مواقع الحكم وصنع القرار. اتخذت هذه الجماعات سياسات متطرفة فى المجال العام لا سيما فى مجال التعليم ــ كالفصل بين الذكور والإناث فى الفصول الدراسية (الكويت واليمن). مثل هذه القرارات تضر بالدولة المدنية وما تكفله من حقوق وحريات، ولاشك أن المتضرر الأول هو المرأة، إذ ستواجه واقعا أكثر تهميشا وتعميقا للسيطرة الذكورية عليها. فى ضوء ذلك، أوردت المواقع والصحف ــ العربية والإسرائيلية ــ ردود أفعال أطراف عديدة فى المجتمع حول هذه القرارات، مطالبين باستمرار النضال للعدول عنها... نعرضها فيما يلى.

بدأت جامعة صنعاء تطبيق إجراء جديد مع بداية العام الدراسى وهو الفصل بين الطلاب الذكور والإناث فى كلية الإعلام للمرة الأولى منذ تأسيسها، وقُسمت أيام الدراسة فى الأسبوع إلى ثلاثة أيام لكل جنس. شمل تطبيق هذا القرار لاحقا كليات أخرى مثل كليات التجارة والشريعة والطب.
لكن قوبل هذا القرار بالرفض من بعض الأكاديميين والأكاديميات واصفين إياه بالقرار الكارثى ليس فقط على التعليم الجامعى، وإنما على مستقبل الأجيال القادمة أيضا. كما احتج الطلبة على القرار وأعلنوا إضرابا؛ لكن استطاعت جماعة الحوثى فرضه أمرا واقعا، وأفاد بيان الطلبة أن قرار الفصل يظهر نظرة دونية، تضفى مزيدا من الافتراءات ضد الطالبات. كذلك ندد نشطاء حقوقيون بهذه الخطوات التى تهدد البنية المجتمعية. قالت أروى الشميرى ــ ناشطة ومحامية فى اتحاد نساء اليمن ــ إن قرار فصل الفتية عن الفتيات فى مؤسسات التعليم لا يخدم إلا أهداف التطرف الدينى، بل ويخلق بيئة تتبنى أشد السلوكيات الاجتماعية عنفا ورجعية، وقد يوجه المجتمع اليمنى نحو جرائم التحرش والاغتصاب، مؤكدة أن المجتمع اليمنى لا يحتاج إلى الفصل بين الذكور والإناث، بل يحتاج إلى تعزيز التعايش بينهما فى إطار قانونى واجتماعى يحترم التزامات وواجبات كل منهما.
عقب القرار، غرد وزير التعليم العالى حسين حازب على منصة إكس (تويتر سابقا)، موضحا أن عدم إطلاع قيادة الوزارة بقرار كلية الإعلام، وأظهر اعتراضه على الفصل بين الذكور والإناث، ولكن أشار إلى أنه «لا مشكلة فى الفصل بين الذكور والإناث كهدف نتفق معه جميعا للتخفيف أو منع ما يؤدى لرواج الحرب الناعمة، ولتعزيز الهوية الإيمانية التى هاجرت عند البعض». هذه التغريدة زادت من غضب الشارع الحقوقى حينما تبرر قادة الجماعة تصرفاتها بمواجهة الحرب الناعمة.
ووصل الأمر بالرجل الأول فى القيادة بصنعاء ــ محمد على الحوثى ــ أن يقترح توقيع كل ولى أمر طالبة موافقته على الاختلاط وتحديد القاعة والأشخاص الذى يسمح لابنته بمخالطتهم. هذه التغريدة، التى تطعن ضمنا فى أخلاق اليمنيات، أثارت انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعى.
يقول إسماعيل الأغبرى فى مقاله على صدى كارنيجى (٢٦/٩/٢٠٢٣) أن جماعة الحوثيين تمارس، منذ وصولها إلى السلطة، سياسات رجعية لا تختلف كثيرا عما يحدث فى أفغانستان، أدت هذه السياسات المتطرفة إلى تقلُص رقعة التعليم، وإلى هجرة الأشخاص الأكاديميين من الجامعات. واستكمل: ستخلف سلسلة القرارات الحوثية ضد الطالبات فى اليمن جيلا يكون فيه الذكور متسلطين والإناث ضحايا، ومجتمع متفكك غير متماسك، وستؤثر هذه السياسات على الأُسر اليمنية وتُعمق سيطرة العقلية الذكورية، وسنشهد فى الغد القريب نساء مهمشات ومزيدا من حوادث العنف المنزلى، وارتفاع نسب الطلاق، وسيتقلص عدد النساء القياديات والفاعلات فى المجتمع، فى حال استمرت الجماعة فى تطبيق مثل هذه السياسات دون رادع أو حسيب.
• • •
من زاوية متصلة، أعلنت جامعة الكويت إلغاء الاختلاط بين الجنسين داخل الفصول الدراسية، إذ أكد مدير جامعة الكويت بالإنابة، الدكتور فايز منشر الظفيرى، التزام الجامعة بتطبيق قانون منع الاختلاط فى الفصول الدراسية، لافتا إلى أن الجامعة تعمل على تجنُّب وجود اختلاط فى فصولها الدراسية، إلا عند وجود حالات استثنائية فعلية تقتضى ذلك.
وكان النائب الكويتى محمد هايف المطيرى ــ وهو أحد النواب الذين يطالبون منذ فترة بمنع الشُعَب المختلطة ــ أعلن أن لجنة تعزيز القيَم فى مجلس الأمة الكويتى، التى يترأسها، ناقشت فى اجتماعها مع وزير التربية والتعليم العالى والبحث العلمى، عادل المانع، وعدد من الإداريين فى جامعة الكويت، قضيتَى منع الاختلاط والتشبّه بالجنس الآخر، وفقا لموقع بى. بى. سى. عربى (١٤/٩/٢٠٢٣).
هذا القرار وصفه رئيس حزب المحافظين المدنى، حمّاد النومسى، بأنه ضربة للحريات العامة والخاصة وللديمقراطية التى لطالما تغنّت بها الكويت فى محيطها الخليجى، مضيفا أن الاختلاط موجود فى جميع الإدارات الرسمية من مجلس الأمة إلى الوزارات وشركات القطاع الخاص.
فى هذا الصدد، أكدت المحامية والناشطة فى حقوق المرأة فى الكويت، نيفين معرفى، أن منع الاختلاط سيؤثر سلبا على المجتمع الكويتى الذى باتت صلاحياته تتقلّص يوما بعد يوم. واعتبرت أن الاختلاط فى الجامعة أمر طبيعى ومنعه ينعكس سلبا على صحة الطلاب النفسية، إذ لا يعقل أن يذهبوا إلى سوق العمل وهى سوق مختلطة، وهم آتون من بيئة تمنع الاختلاط.
• • •
فى ذات السياق، نشرت صحيفة هاآرتس، يوم الإثنين الماضى (٢٥/٩/٢٠٢٣)، افتتاحية جاء فيها أن أشخاصا من منظمة «رأس يهودى» أصروا على الصلاة من خلال الفصل بين الرجال والنساء فى الأماكن العامة، مؤكدة أن هذا الأمر ليس طقسا دينيا، بل عملا سياسيا لتحويل إسرائيل من دولة ديمقراطية إلى دولة دينية.
أضافت الافتتاحية: هم يستغلون القيم الليبرالية ببشاعة، بحجة أن الجمهور الليبرالى مجبر على «احتواء» و«احترام» معتقدات وزعامات غير ليبرالية، مثل الفصل بين الرجال والنساء فى الأماكن العامة.
لكن استيقظ التيار العلمانى واحتج على محاولة استبدال القيم الليبرالية الديمقراطية بشرائع دينية. إذ تظاهر المئات لمنع إقامة صلاة فصل جندرى فى ساحة ديزنغوف، مساء يوم الغفران، وهزّوا السواتر التى استُخدمت فى شتى أنحاء المدينة للفصل بين الرجال والنساء، هم لم يفعلوا ذلك للمسّ بحُرية الدين والمصلّين من الجنسين، بل دفاعا عن الحيّز العام ضد محاولة عدائية للسيطرة عليه.
كتب القاضى إسحاق عميت: «ممنوع الفصل بين الجنسين فى الأماكن العامة، وساحة ديزنغوف هى أبرز مثال لماهية المجال العام». وبدلا من تنفيذ تعليمات القضاة، فإن الشرطة تجاهلتها، واعتقلت متظاهرا حاول إزالة السواتر ومنع الصلاة التى تفصل بين النساء والرجال. وحتى البلدية تجاهلت ما يحدث، وهذا مؤشر مُقلق بشأن الآتى.
اختتمت هاآرتس افتتاحيتها: هذه معركة على صورة إسرائيل، والسبيل الوحيد للانتصار فيها هو النضال على الأرض، كما فعل الأشخاص المتظاهرون الذين منعوا قبل أيام إقامة صلاة تفصل بين الجنسين فى تل أبيب وحيفا وزيخرون يعقوب، وفى مدن أُخرى. لا يجب أن يكون هناك مجال للتساهل فى مواجهة قوى تدفع قدما بالتفوق اليهودى والذكورى!

إعداد: ياسمين عبداللطيف

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved