أمريكا بحاجة إلى المزيد من العلم


قضايا عالمية

آخر تحديث: الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

قبل عامين، وُلد «كى. جى. مولدون» مصابا باضطراب وراثى نادر وغالبا ما يكون قاتلا. واليوم، يستطيع المشى والتحدث، بعدما تمكن باحثون فى مستشفى الأطفال فى فيلادلفيا وجامعة بنسلفانيا من إنقاذه، بتمويل من المعاهد الوطنية للصحة، باستخدام أول علاج لتحرير الجينات فى العالم. ويسعى مستشفى الأطفال الآن إلى تحقيق معجزات جديدة فى مركز «مورجان للأبحاث والابتكار»، حيث تمول المعاهد الوطنية للصحة الأبحاثَ الأساسيةَ التى تنقذ الأرواح وتخفض تكاليف علاج الأمراض. لقد جعل البحثُ الفيدرالى والمشروعات الخاصة الطب الأمريكى محط أنظار العالم، فيما يوسع الذكاءُ الاصطناعى الاكتشافاتِ بصورة غير مسبوقة. لكن هناك مخاوف من أن تتنازل الولايات المتحدة عن ريادتها فى أكثر لحظات تاريخ الطب إثارة، بسبب نقص الاستثمار وسوء الإدارة.


وقد دعا البيت الأبيض مؤخرا إلى دخول العلوم الأمريكية عصرا ذهبيا جديدا، وهو ما يتطلب إصلاحات طال انتظارها وزيادة الاستثمار فى البحث والتطوير الفيدراليين. وينبغى لتيار المحافظين إدراك أن الأبحاث الأساسية تعتبر منفعة عامة، مثل الأمن القومى، نادرا ما يمولها رأسُ المال الخاص. فالشركات بارعة فى تحويل الاكتشافات إلى منتجات ووظائف، لكن العلوم الأساسية تحتاج إلى وقت طويل وعوائدها غير مؤكدة.


وهنا تسد الحكومةُ الفجوةَ بتمويل الأبحاث طويلة الأجل وعالية المخاطر التى تتحول لاحقا إلى اختراقات ذات فوائد هائلة للمجتمع. وتنفق الحكومةُ الفيدرالية 7 تريليونات دولار سنويا، لكن أقل من 1% منها يذهب إلى أبحاث المعاهد الوطنية للصحة، غير أنها تحقق عوائد ضخمة. فقد خفض برنامج الوقاية من السكرى خطر الإصابة بالسكرى من النوع الثانى بنسبة 58% خلال ثلاث سنوات، فيما وفرت أبحاث أمراض العيون 28.5 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية خلال 10 سنوات. كما خفضت علاجات دوائية حالات العمى بنسبة 50% بين المصابين بالتنكس البقعى الرطب.


وعلى المستوى الوطنى، يولّد كل دولار تنفقه المعاهد الوطنية للصحة نحو 2.50 دولار من النشاط الاقتصادى. وفى بنسلفانيا، تدعم الأبحاثُ أكثر من 21 ألف وظيفة وتولد أثرا اقتصاديا يتجاوز 5 مليارات دولار سنويا. كما سيُسرع الذكاء الاصطناعى هذه الابتكارات لاكتشاف السرطان مبكرا، وتسريع اكتشاف الأدوية، وجعل الجراحات أكثر دقة.


لكن بالمقابل رفعت الصينُ إنفاقَها على البحث والتطوير من 36% من الإنفاق الأمريكى فى عام 2008 إلى مستوى مماثل فى عام 2024، وتمثل الآن نحو ثلث الأدوية الموجودة فى مراحل التجارب السريرية عالميا.


أما الولايات المتحدة فتعانى من نقص الاستثمار فى مجال الاكتشافات العلمية، وتراجع الإنفاق الفيدرالى على البحث والتطوير من 1.86% من الناتج المحلى الإجمالى فى 1964 إلى 0.63% فى 2024، فيما تقلصت ميزانية المعاهد الوطنية للصحة بأكثر من 10% منذ 2003 بعد احتساب التضخم. وأصبحت المعاهد أيضا أكثر بيروقراطية وأقل شفافية، إذ يذهب نحو دولار من كل ثلاث دولارات من المنح إلى النفقات الإدارية، ولا يستطيع دافعو الضرائب بسهولة معرفة الروابط المالية بين الباحثين وقطاع الأعمال.


ورغم ذلك فلكل هذه المشكلات حلول: أولا، بدلا من خفض ميزانية المعاهد بنحو 40%، كما اقترح مكتب الإدارة والميزانية، ينبغى مضاعفة ميزانيتها البالغة 48 مليار دولار خلال خمس سنوات.


ثانيا، يجب إعطاء الأولوية للعلوم القائمة على الجدارة. فقد ألغت إدارة ترامب نحو 1400 منحة أثناء تنفيذها. وبالنسبة لنصف هذه المنح وحده، كان دافعو الضرائب قد دفعوا نحو 1.3 مليار دولار مقابل أعمال قد لا تكتمل. وبدلا من إهدار هذا الاستثمار، ينبغى السماح للباحثين بتعديل خططهم ومواصلة العمل.


ثالثا، يجب فرض المساءلة، وينبغى استبدال نظام النفقات الإدارية المكلِّف وغير التنافسى بنظام يكافئ الكفاءة، ويجعل المؤسسات تتنافس على تمويل البنية التحتية، ويمنح مراكز الأبحاث الأصغر فرصة عادلة. لقد بنت أمريكا مسيرتها على أيدى رواد تجرؤوا على تجاوز حدود المعلوم. وعلينا استعادة هذه الروح بالاستثمار الجريء، وإعطاء الأولوية للعلم، ومواصلة الإصلاح بلا هوادة. وإذا تجرأنا على ذلك، فقد تكون قصة «كى. جى. مولدون» بدايةَ عصر ذهبى جديد للعلوم الأمريكية.

ديف ماكورميك
جريدة الاتحاد الإماراتية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved