التليفزيون يهزم ترامب

شريف عامر
شريف عامر

آخر تحديث: الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

فى الواحدة إلا خمس دقائق بعد منتصف الليل، صدر قرار القاضى الفيدرالى تيموثى كيلى بالسماح الفورى لصحفيى شبكة سى إن إن، وإم إس ناو، وموقع بوليتيكو الإلكترونى بدخول البيت الأبيض، وتمكينهم من أداء عملهم فى مبنى حكومى عام ينتمى للشعب الأمريكى.


وتفاديا لأى سيناريوهات مؤامرة أو شك ننجرف نحوها عندما لا نجد فيها تشابها أو منطقية مع ما تعودناه ونعرفه، أضيف معلومة بسيطة ترتبط بعمل القضاء الأمريكى:


«يقوم المتقاضون بإجراءات الشكوى إلكترونيا، وللقاضى أن يصدر أمره أو حكمه فى أى وقت، وهو ملزم للجميع ونافذ ساعة صدوره».


والقاضى المعنى فى هذه الحالة، كان قد اختاره وعينه السيد ترامب فى فترته الأولى، ما ينتفى معه شبهة الميل السياسى للمعسكر المناوئ من الحزب الديمقراطى.


ولأن رأى الرئيس وتصريحاته عن «الأخبار الكاذبة» لا يصلح فى المحاكم، كان على الإدارة أن تستند لسبب أكثر جدية:


«نشر أخبار حساسة تضر بالأمن القومى».


لكن ما تم نشره مؤخرا وأثار غضب الرئيس كان دراسة رسمية من إدارة التفتيش العام المسئولة عن وزارة الدفاع/الحرب، تكشف عن وجود عجز فى نوعيات محددة من الذخائر والصواريخ.


لم يقتنع القاضى بالسبب المذكور، فكان أن أمر بدخول الصحفيين إلى البيت الأبيض أولا، ثم يمكن إعادة عرض وجهات نظر الإدارة والرئيس بعد أسبوعين لبيان حجتها القانونية.


كانت هذه هى الزاوية الإجرائية القانونية للحدث الذى سيطر على وسائل الإعلام ونافس أخبار الانتخابات القادمة للكونجرس، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع بسبب الحرب فى إيران، ومضيق هرمز الذى يكاد الرئيس أن يقسم مرتين فى اليوم أنه مفتوح وتحت السيطرة.


ما بين إعلان سيد البيت الأبيض قرار المنع، وإعلان القاضى قرار العودة، عاش البيت الأبيض مشهدا فوضويا كاملا.


تضامنت بقية الشبكات الكبرى مع الممنوعين، توقفت العدسات عن المتابعة، وظهرت صورة الرئيس للمرة الأولى يقص شريطا وسط مجموعة من العمال. الرئيس يتحدث لكاميرا بعيدة مهتزة، بينما الصوت غير مسموع.


دخل الرئيس طائرته مسافرا ثم عائدا بلا صورة أو تصريح.


على باب الأمم المتحدة فى نيويورك، سألهم: لماذا أتيتم هنا؟ لماذا لم تقاطعونى؟ وجاءته الإجابة: «لا قرار لك فى هذا المبنى، لذلك حضرنا».


عاد الرئيس المأزوم إلى واشنطن سريعا. رئيس الصين فى الطريق، ولا بد من تهيئة كل الظروف، ومتابعة كل تفاصيل زيارته الاستثنائية.


تكررت الفوضى. لم ير أحد وصول الرئيس الصينى واستقباله. لم يتابع مؤيدو الرئيس وقاعدته رئيسهم القوى، يشد على يد الرمز الصينى العملاق، ولا دخولهما المشترك إلى البيت الأبيض.


كانت الشبكات قد أصرت على عدم التغطية أو بث الصور الاحترافية، إلا بعد دخول الممنوعين وتنفيذ قرار القاضى. ماطل ترامب، وماطلت الإدارة، حتى فات الوقت. ضاع الاحتفال بين صور فوتوغرافية متناثرة، ومشاهد مضطربة، ولا بث مباشر إلا قرب انتهاء الزيارة الأهم، بعد عودة الممنوعين والمتضامنين.


كانت الإدارة تخشى كل ذلك، لكن أحدا من المستشارين لم يراجع الرئيس فى قراره، كما هو معروف ومتبع فى الثقافة السياسية الأمريكية.


قبل الزيارة الصينية بيومين، فضل البيت الأبيض إطلاق قناة جديدة تحمل اسم الرئيس؛ «تليفزيون ترامب».


عدد المشتركين فى القناة حتى يوم الجمعة الماضى ألفان وثمانمئة، وعدد المشاهدات تجاوز السبعة آلاف بقليل.


أرقام مخزية للرجل الذى بدأ مسيرته السياسية من خلال إتقان فن التعامل مع الشاشة، وبلغ قمة العالم عن طريق برنامج تليفزيونى ناجح فى شبكة عملاقة.


حتى قناة فوكس، أقرب حليف تليفزيونى له، منبره الأثير، التى لا ينقطع صوتها فى أى حجرة يجلس فيها، ويتابع عليها كل المدافعين عنه، سواء المذيعون أو الضيوف، حتى اختار منهم مسئولين فى إدارته، فى مقدمتهم مراسل أقل من المتوسط ليكون وزير دفاعه أو حربه. قررت فوكس الابتعاد والانحياز للزملاء.


خرج خطاب المقاطعة والتضامن مُذيَّلا بتوقيع مدير أخبار فوكس، المسئول حاليا عن المكتب المشترك لتنسيق أخبار البيت الأبيض بالتناوب مع الشبكات الأخرى من الخمس الكبار.


• • •
كل المنصات الجديدة، ومواقع التواصل، والقدرة على تطويعها، واستخدامها فى النشر الفورى، والبث المباشر للصورة، لم تُغنِ عن التليفزيون التقليدى والصحافة المحترفة التى هجرت غرفة الإيجاز الصحفى فى البيت الأبيض، فظهرت خاوية بلا صحفيين أو عدسات.


لم تملأ مقاطع المحللين المؤيدين أو المعارضين الفراغ فى حجرة الصحافة بالبيت الأبيض، ولم تنجح صور الذكاء الاصطناعى فى نقل خبر مؤكد أو نشر معلومة موثقة من الغرف المغلقة، سواء فى تسريب متعمد، أو سؤال صحفى وإجابة مباشرة.


قد يكون الحاضر بوسائله المستحدثة صاخبة الصوت هو مركبة انتقال بين مرحلة وأخرى، لكن التجربة الأخيرة تثبت أن الصحفى المحترف ما زال بسؤاله، ومصادره، وصوته، وصورته، وقلمه، هو السيد صاحب البصمة الأعمق والأكبر.


هذا ما جرى ودار عن المهنة، وأصحابها، وأدواتها. أما الدلالات السياسية والقانونية لهذه الجولة الأخيرة فى عاصمة السياسة والتليفزيون، فهذا حديث آخر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved