«خناقة» الصحفيين بين الواقع والمواقع
طلعت إسماعيل
آخر تحديث:
الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
أكتب هذه السطور قبل إجراء «النقاش الهادئ» الذى دعا إليه نقيب الصحفيين الزميل خالد البلشى، بعد تفجر الجدل المتجدد، وإن كان هذه المرة بشكل أكثر حدة وغضبًا بين أطراف متعددة بشأن قيد الزملاء العاملين فى المواقع الإلكترونية بنقابة الصحفيين، وخلط البعض بين الضغط على النقابة لفتح حوار موضوعى بشأن هذه القضية، والتهديد باللجوء إلى «كيانات» موازية، بما يهدد بدوره وحدة الجماعة الصحفية.
لن نقول إن ما يجرى «خناقة» مفتعلة أو مجرد تهديدات عابرة، فلطالما كانت نقابة الصحفيين مستهدفة، كـ«كيان» رسمى يدافع عن حقوق المهنة والذود عن أعضائها، لكن المعركة اليوم أبعد من التلويح بما ينتج عنه شق الجماعة الصحفية بفتنة «المواقع الإلكترونية»، وهى قضية يختلط فيها الحق بالباطل أحيانًا، وليست كل أطرافها حسنة النية.
بداية لست ضد أى زميل يعرض وجهة نظر موضوعية عن ضرورة فك القيود عن التحاق الزملاء الذين يمارسون مهنة الصحافة بكامل مهامها ومسئوليتها من خلال المواقع الإلكترونية الحاصلة على تراخيص من المجلس الأعلى للإعلام ضمن الضوابط الصارمة التى تلزم العاملين بتلك المواقع بالمعايير المهنية التى يتبعها زملاؤهم فى الصحف الورقية.
كما أننى لست ضد أى زميل يعبر بكل موضوعية أيضًا عن مخاوف مشروعة من تسلل من هم غير مؤهلين للعمل بالصحافة، إلى جدول نقابة الصحفيين، خاصة مع انتشار العديد من المواقع «المنفلتة» التى لا تلتزم بالمعاير المهنية والأخلاقية والقانونية عند نشر المحتوى الصحفى مما يظهر لنا آثاره الضارة على وسائل التواصل الاجتماعى، وبما يسيئ إلى مهنة البحث عن المتاعب والخدمة فى بلاط صاحبة الجلالة.
وفى كل الأحوال أجد نفسى منحازًا إلى المستقبل، وتحدثت وكتبت على مدى أكثر من عقد كامل، عن ضرورة انتباه الزملاء القائمين على مجلس النقابة، نقيبًا وأعضاء، فى أكثر من دورة نقابية، لما يدور فى عالم الصحافة من تطورات، تحتم الالتحاق بركبها، والتعامل مع تحدياتها، وعدم دفن الرءوس فى الرمال بتجاهل المشكلات التى ستنتج عن هذه التطورات.
لا أحد يستطيع إنكار أن الصحف الورقية، وتأثيرها فى المعادلة الإعلامية الحالية فى مصر يتراجع مع صباح كل يوم جديد، والصحيح أيضًا أن الصحف الإلكترونية لم تستطع تغطية هذا التراجع حتى الآن، فى ظل هجمات «السوشيال ميديا» واللجان الإلكترونية التى تتلاعب بنشر المحتوى المضلل والمزيف، والمساهمة فى إحداث أكبر قدر من الإرباك فى المشهد الإعلامى بما تحتويه أيضًا من شائعات وأكاذيب.
لم تتمكن الصحافة التقليدية (الورقية والإلكترونية)، للأسف، من القيام بدورها تجاه الرأى العام، فى ظل غياب قانون يضمن حرية تداول المعلومات، والقصور الرسمى، المتعمد أحيانًا، فى مد الصحفيين بما يحتاجونه من بيانات وتصريحات تمنح المواطنيين حقهم فى المعرفة بما يدور فى المجتمع من أحداث عبر مصادرها الأصلية، والمتنوعة.
وفى ظل هذا الواقع هل من مصلحة الجماعة الصحفية التراشق والتنابز بالألقاب، تحت رايات تفتح أبواب الفرقة والانقسام؟!
نعم عضوية نقابة الصحفيين مثل الجنسية تحتاج إلى شروط وضوابط صارمة قبل منحها، لكن يجب ألا يكون الحصول على تلك الجنسية عبر رحلة شاقة، وطريق طويلة قد يستعصى على البعض بلوغ نهايتها، إلا بشق النفس فى الوقت الراهن، وبما يفتح أنفاقًا غير مشروعة للنفاذ منها إلى جدول القيد، وجميعنا نعلم ونتحدث فى جلساتنا عن تلك الوسائل والسبل الملتوية لدخول النقابة!
أشدد على أهمية ما كتبه الزميل خالد البلشى من أن الدعوات لمناقشة أوضاع الصحفيين الإلكترونيين محلها النقابة، ويجب أن يتحلى قطاع واسع فى الجمعية العمومية برحابة صدر عند مناقشة هذه القضية المهمة التى تقودنا إلى حتمية النظر إلى المستقبل، ونحن نرى كيف يزحف عصر الذكاء الاصطناعى على جميع المهن، والصحافة ليست بمعزولة عما يدور.
لتضع النقابة كل القواعد والضوابط واللوائح التى تضمن لها عدم تسلل من هم دخلاء على مهنة الصحافة، إلى جداولها، ولتفتح الأبواب فى الوقت ذاته أمام الزملاء الذين يمارسون المهنة بالمعايير المتعارف عليها، والتخلص من عقدة «الورقى والإلكترونى»، لأن المستقبل سيسقط كل الحواجز شاء من شاء وأبى من أبى.