فخ الكبسولة المعرفية فى زمن الشفاهية الرقمية
يحيى عبدالمبدي محمد
آخر تحديث:
الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
كان أستاذى فى الجامعة، رحمه الله، يتندّر أحيانًا على بعض الزملاء، فيصفهم بأنهم من أصحاب «الثقافة الشفاهية الأولية»، مستعيرًا مفهوم المفكر الأمريكى والتر أونج. لم أكن أعرف آنذاك من هو أونج، ولا ما الذى يقصده بالشفاهية الأولية أو الشفاهية الثانوية، لكننى كنت أفهم جيدًا مغزى نكتة الأستاذ وما تنطوى عليه من مفارقة. ولذلك، حين صدرت الترجمة العربية لكتاب أونج «الشفاهية والكتابية» عام 1994، حرصت على اقتناء الكتاب وقراءته لأسباب أكاديمية وشخصية.
ومرت السنوات والعقود، إلى أن وجدتنى مؤخرًا أعود إلى «الشفاهية والكتابية» من جديد، ولكن بعين مختلفة وأسئلة لم تكن مطروحة بالطريقة نفسها حين قرأته أول مرة. أعادنى إليه تنامى ظاهرة البودكاست، وضجيج مقاطع «يوتيوب»، وطوفان المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعى، ثم الصعود المذهل لمنصات الذكاء الاصطناعى والمعرفة التوليدية من قبيل تشات جى بى تى وإخوته. وبدا لى أن أفكار أونج، التى كُتبت فى زمن سابق على هذه الثورة الرقمية، تتيح مدخلًا مثيرًا للتفكير فى واقعنا المعاصر وتجيب عن بعض الأسئلة.
• • •
بدايةً، لا ينظر أونج إلى الشفاهية نظرة سلبية بوصفها نقيضًا للعلم أو عائقًا أمام إنتاج المعرفة؛ فالشفاهية والكتابية تمثلان، فى تصوره، طريقتين مختلفتين فى تنظيم المعرفة وتشكيل التفكير والوعى. وللشفاهية أنماط وأشكال ومن بينها الشفاهية الثانوية التى كانت وما زالت حاضرة فى برامج الإذاعة والتلفاز وغيرها من الوسائط التقليدية. أما ظهور الكتابة فقد قام بثورة فى إعادة تشكيل الوعى وإنتاج المعرفة خاصة مع ظهور الطباعة، حيث زادت إمكانات التجريد والتحليل والتصنيف والتفكير المتراكم. وبالتالى بات الكتاب مصدرًا أساسيًا لتحصيل المعرفة وحصنًا منيعًا لتراكمها. وحتى حين دشن الكتاب الرقمى لم يكن فى أحسن صوره إلا محاولة لمحاكاة الكتاب الورقى.
غير أن التحول الرقمى المعاصر يبدو وكأنه يأخذ هذه الشفاهية الثانوية إلى مرحلة جديدة تمامًا، مرحلة ربما يصح أن نسميها مرحلة الشفاهية الرقمية، حيث تتداخل الكلمة المنطوقة والصورة والنص والخوارزميات، ويتغير معها ليس فقط شكل تداول المعرفة، بل عاداتنا فى طلبها وتلقيها والحكم على صدقيتها.
توفى والتر أونج عام 2003 أى قبل ظهور «يوتيوب» ومحرك جوجل ووسائل التواصل الاجتماعى البودكاست وغيرها من صور الشفاهية الرقمية. ولم يشهد «أونج» الانفجار الرقمى العظيم فى صورة الذكاء الاصطناعى والمعرفة التوليدية. ولم يجلس «أونج» على مقهى فى وسط القاهرة مثلى يتحدث مع أصدقائه ومع كل معلومة تذكر فى الفن، أو الرياضة، أو حتى الفيزياء ينزوى أحد الحاضرين «مثقف جوجل»، وهو ينقر شاشة هاتفه خلسة ليقتنص جوابًا سريعًا يباغت به الحاضرين متباهيًا بسعة اطلاعه. ولم يمنح القدر «أونج» الفرصة لكى يناقش شخصًا يستقى وعيه وثقافته ومعرفته من مقاطع فيديو على «يوتيوب». وبالتأكيد لم يطلب الراحل من تشات جى بى تى أو جيميناى رأيه فى اتباع نظام الطيبات أو فى موقف هايدجر من الوجودية؟
• • •
إن الأزمة التى نواجهها اليوم لا تكمن فى صعود الشفاهية وتراجع الكتابية، فربما يتيح هذا التحول فرصًا مهمة لتوسيع المشاركة فى إنتاج المعرفة وإيصالها إلى جمهور أوسع، وربما كانت حلقة بودكاست أو مقطع فيديو أفضل من كثير من الكتب الرديئة. إن الأزمة الحقيقية تكمن فى تحوّل جوهرى أصاب علاقتنا بالمعرفة ذاتها: لقد انتقلنا من تحصيل المعرفة إلى استهلاكها.
فالقراءة المتعمقة لكتاب أو بحث ليست مجرد وسيلة مضنية للحصول على المعلومات التى يمكن اختصارها فى دقائق، وإنما هى عملية معرفية فى ذاتها؛ إذ تفرض على القارئ تتبع الحجة، وربط الأفكار، واستيعاب السياق، ومراجعة المفاهيم، ومواجهة الغموض والتناقض، وبناء المعرفة الجديدة فوق معرفة سابقة. ومن خلال هذا الجهد تتكون المعرفة بصورة تراكمية، ويتشكل لدى الفرد إطار معرفى يستطيع من خلاله تفسير المعلومات الجديدة ونقدها ووضعها فى سياقها. هذه المعاناة الذهنية ليست عيبًا فى الوسيط، بل هى جوهر البناء المعرفى.
فى المقابل، تميل الثقافة الرقمية المعاصرة إلى تقديم المعرفة فى صورة خلاصات ومقاطع وأجوبة جاهزة، وكأن البيئة الرقمية قد صُممت لتقليص المسافة بين السؤال والجواب إلى أدنى حد ممكن: اضغط، شاهد، اسمع، اسأل الآلة، واحصل على الإجابة فى ثوانٍ. لقد خفّضت التكنولوجيا ببراعة تكلفة الوصول إلى المعلومة، لكنها لم ولن تستطيع أن تخفّض تكلفة الفهم العميق؛ فالمعرفة الحقيقية تفرض ضريبة لا مفر منها من الوقت والانتباه والقراءة والمقارنة والتحليل والنقد وإعادة النظر، فضلًا عن متعة القراءة وحيرة التساؤل. وحين نختصر كل ذلك فى حلقة بودكاست سريعة أو مقطع خفيف بعنوان ساذج من طراز: «كيف تفهم الحرب العالمية الأولى فى دقيقتين؟»، فإننا لا نكتسب بالضرورة معرفة، بقدر ما نتلقى كبسولات معرفية مختزلة ومخلة وأحيانًا مضللة. ومع الذكاء الاصطناعى التوليدى تدخل هذه الظاهرة مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فلم يعد الفرد مضطرًا حتى إلى التنقيب بين المصادر والروابط كما كان يفعل «مثقف جوجل»، بل يكفى أن يطلب من الآلة، فتحوِّل فى ثوانٍ ما كان يتطلب أيامًا من القراءة والبحث والمقارنة إلى خلاصة مركبة وجاهزة. وهنا يكمن التحدى الحقيقى لعصرنا: لم يعد توفير المعلومات هو المشكلة، فقد أصبحت متاحة أكثر من أى وقت مضى، وإنما الأزمة هى الحفاظ على الجهد العقلى والنقدى والتراكمى الذى يحوّل وفرة المعلومات إلى فهم، والفهم إلى معرفة حقيقية.
ليس فى مقدورنا، ولا من الحكمة، أن نقف فى وجه هذا التيار الجارف من الشفاهية الرقمية أو نطالب بمقاطعة البودكاست وإلغاء المنصات الرقمية وتكبيلها بالقيود؛ فالشفاهية ليست شرًا فى ذاتها ولا تمثل سلطة قاهرة، وإنما هى أداة معرفية ضمن أدوات أخرى. ولن يكف الناس عن استعمال الشفاهية الثانوية، وفى الوقت ذاته لن يكفوا عن قراءة الكتب، بل يمكن وصف ما يحدث باعتباره تحولًا فى مركز الثقل المعرفى، من الكتابية والقراءة الممتدة والعميقة إلى المشاهدة والاستماع والمحتوى المختصر.
ولا أظن أن هناك وصفة سحرية لإنقاذ الإنسان من السقوط فى فخ الكبسولة المعرفية، ومع ذلك فإن الرهان الوحيد المتبقى لإنقاذ الوعى يمر عبر ثورة فى مفهومنا للمعرفة والتعليم والتثقيف؛ بإعادة الاعتبار للمصدر والأصل، وتدريب العقول على مهارات الفرز والتشريح النقدى. إن جوجل وخوارزميات التوليد جعلت حيازة المعلومة مجانية ومبتذلة. من هنا، لم يعد المثقف الحقيقى يُقاس بحجم ما يحفظه أو يجمعه فى هاتفه، بل بقدرته المثابرة على التمييز، والمساءلة، والنقد، والمقارنة؛ تلك الملكات التى لا تقدمها كبسولات الفيديو السريعة، ولا تصنعها ضغطة زر.
أستاذ مشارك بجامعة جورج تاون