مخاطر الذكاء الاصطناعى
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
خلال الأيام الماضية تعالت أصواتُ ثلة متميزة من كبار المختصين عبّروا عن قلقهم من التطورات المذهلة التى يشهدها مجال الذكاء الاصطناعى، وقدرته على تطوير ذاته والخروج عن سيطرة الإنسان الذى صنعه، بل والتفوق والتمرد عليه وإلحاق الضرر المباشر به، وطالبوا بوضع حد لطموحات الشركات العملاقة العاملة فى المجال.
ولأن أهل مكة أدرى بشعابها، عندما يبادر كبار المختصين بهذه التكنولوجيا، ينبغى علينا أن نستمع بإنصات كامل، فليس من الحكمة أن نتجاهل هذه التحذيرات أو أن نتعامل معها باستهانة، خاصة أن الأمر يتعلق بمستقبل البشرية، ووفق تصورات هؤلاء الخبراء فقد نصحو ذات يوم (ربما ليس ببعيد)، لنكتشف أن الوحش بدأ يفتك بنا. هذه ليست المرة الأولى التى يثار فيها هذا الكلام المقلق، فخلال عهد الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن اجتمعت نائبته كامالا هاريس مع عمالقة المجال وكبار الشركات التى تستثمر عشرات المليارات سنويًا لتطوير نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعى؛ حيث طالبتهم بإبطاء مشاريعهم، وقد تعهدوا بذلك لوضع حد لما يمكن أن يكون عليه الذكاء الاصطناعى فى المستقبل.
لكن يبدو أن الاستجابة لمطلب الإدارة الأمريكية كان مؤقتًا، حيث عادت الشركات لسابق عهدها فى تنفيذ خططها دون إبطاء، وهو الأمر الذى دفع العاملين فى المجال الآن إلى التحذير مما هو قادم. فى هذا السياق، استقال جاكوب كوكسون، من منصبه فى شركة «أنثروبيك»، متهمًا شركتَه، ومعها شركة «أوبن إيه آى»، بالمجازفة بحياة البشر من خلال التسابق لتطوير ما يُعرف بالذكاء الاصطناعى فائق الذكاء.
وقد أيده إيفان هوبينجر، أحد كبار موظفى «أنثروبيك» قائلًا: هناك احتمال يتجاوز 10% بأن يؤدى الذكاء الاصطناعى إلى انقراض البشرية بالكامل خلال العقد المقبل. قائمة المحذرين تضم أسماء ذات وزن ثقيل فى المجال، من بينهم الملياردير إيلون ماسك، أحد أكبر المستثمرين فى قطاع الذكاء الاصطناعى وسام ألتمان، الرئيس التنفيذى لـ«أوبن إيه آى»، وداريو أمودى، الرئيس التنفيذى لشركة «أنثروبيك»، وغيرهم من عمالقة المجال فى جوجل ومايكروسوفت.
العالم البريطانى الكندى جيفرى هينتون، الحائز جائزة نوبل فى الفيزياء لعام 2024، والملقب بـ «عرّاب الذكاء الاصطناعى»، يتوقع أن تنفذ أنظمة الذكاء الاصطناعى هجمات إلكترونية خطيرة، محذرًا من أن عدم التعامل مع هذه التقنيات بحكمة قد يضع البشرية أمام عواقب بالغة الخطورة، داعيًا إلى العمل على تطوير أنظمة تحافظ على مصالح البشر بدلًا من اعتبارهم خصومًا.
ويعد بيل جيتس أحد أبرز مَن حذروا من تطورات الذكاء الاصطناعى، وكان أخطر ما قاله: «إن الذكاء الاصطناعى قوى بما يكفى للتسبب فى أحداث تؤدى إلى وفاة مليار شخص»، مشددًا على أن التهديد الأكثر إلحاحًا حاليًا يأتى من الأشخاص الذين يستخدمون هذه التكنولوجيا لأغراض ضارة، مشيرًا إلى أن هذه التكنولوجيا قد تمنح المجرمين قدراتٍ متقدمةً، وتؤدى إلى ظهور تهديدات جديدة خلال الفترة المقبلة. التفاصيل حقيقة مرعبة، فجماعات الإرهاب التى ابتليت بها البشرية قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعى والاستفادة من إمكانياته المذهلة، حيث يمكنها الاعتماد عليه فى تطوير أسلحة (تقليدية وجرثومية وغيرها من الأنواع الفتاكة)، وبالقطع سوف تستخدمها فى ترويع الآمنين وتهديد حياة الأبرياء فى شتى أنحاء المعمورة.
وبفعل هذه التحذيرات التى تعبر عن حالة القلق، قرر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعيين مدير المخابرات الوطنية جاى كلايتون، مسئولًا عن ملف الذكاء الاصطناعى فى الإدارة الأمريكية، حيث يقود فريقًا فى البيت الأبيض مكلفًا بإعداد تقرير خلال 120 يومًا عن المخاطر والفرص ذات الصلة بالذكاء الاصطناعى. كما تحركت الوكالات الأمنية فى بريطانيا وأمريكا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وحضت الحكومات والشركات على التحرك بسرعة للاستعداد بسيناريوهات جادة لمواجهة المخاطر المحتملة. قد تكون هذه التحذيرات مفرطة فى المبالغة والتهويل، لكن التعامل معها بجدية أفضل لنا، حتى لو كانت سيناريوهاتها لا تتجاوز نسبتها احتمال 1%، فالاستعداد التام للتعامل مع هذه الهواجس خير من أن تفاجئنا التطورات والأحداث بصورة مباغته دون أن نكون قادرين على مواجهتها.
ما طرحناه فى السطور الماضية لا ينبغى أن يصيبنا بالارتباك أو يدفعنا لإغلاق ملف التعامل الجاد مع تطورات الذكاء الاصطناعى، بل على العكس تمامًا، فإيماننا راسخ ويقيننا تام بأن كل تطور جديد سيمضى فى مساره الطبيعى، ولو تعاملنا معه بتوجس ورفض لما تقدمت البشرية خطوة واحدة للأمام، فقط علينا أن نتعامل بعيون مفتوحة وعقول يقظه حتى لا يفلت زمام الأمر من أيدينا.
على بن سالم الكعبى
جريدة الاتحاد الإماراتية