العراق بين الاكتفاء الذاتى وأزمة إمدادات البنزين

قضايا اقتصادية
قضايا اقتصادية

آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، يوضح فيه شكوكه حيال واقعية واستدامة «الاكتفاء الذاتى» من المشتقات النفطية الذى أعلنته الحكومة العراقية، مستندًا على العوامل التشغيلية والهيكلية التى تحول دون تحقيق هذا الهدف وتتسبب فى استمرار أزمات الوقود.. نعرض من المقال ما يلى:
يثير استمرار استيراد العراق بعض المنتجات النفطية -رغم ارتفاع إنتاجه من النفط الخام، وتوسع طاقته التكريرية مع تشييد مصافٍ جديدة- تساؤلات بشأن مدى قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتى بصورة مستدامة. وقد أعادت طوابير السيارات أمام محطات البنزين خلال الصيف الماضى تسليط الضوء على التحديات التى تواجه توفير المشتقات النفطية للسوق المحلية، ولا سيما خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.

وفى دراسة نشرها «مركز البيان للدراسات والتخطيط» فى بغداد، تناول ثامر الغضبان، نائب رئيس الوزراء وزير النفط العراقى الأسبق، أسباب تعثر استمرار وقف استيراد البنزين، رغم إعلان الحكومة تحقيق الاكتفاء الذاتى من المنتجات النفطية الرئيسة.
ففى 4 نوفمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السودانى أن العراق حقق الاكتفاء الذاتى من المنتجات النفطية الرئيسة، واصفًا ذلك بأنه خطوة مهمة نحو الاستقلال فى مجال الطاقة. وأصدر لاحقًا توجيهًا بوقف استيراد البنزين، وزيت الغاز، والنفط الأبيض، مع تصدير الفوائض، استنادًا إلى أن الإنتاج المحلى تجاوز الطلب. وفى إعلان منفصل، توقع السودانى أن يبدأ العراق استيراد الغاز الطبيعى المسال بحلول عام 2028.
لكن قرار وقف استيراد البنزين واجه صعوبات فى الاستمرار، وفق الغضبان، الذى يعزو ذلك إلى مجموعة من العوامل التشغيلية التى لم تحظَ بالقدر الكافى من الاهتمام عند اتخاذ القرار.
يتمثل العامل الأول فى متطلبات مزج البنزين، إذ كان جزء كبير من الكميات المستوردة يُستخدم لمزجه بالبنزين المنتج محليًا، ولا سيما فى مصافى بيجى، بهدف الوصول إلى مستويات الأوكتان المطلوبة. وبالتالى، فإن توفر كميات من البنزين المنتج محليًا لا يعنى بالضرورة الاستغناء عن جميع الكميات المستوردة اللازمة لعمليات المزج.
أما العامل الثانى، فإنه يتعلق بالتغيرات الموسمية فى الطلب. فقد ظهر الفائض الذى استند إليه قرار وقف الاستيراد خلال نوفمبر، وهو شهر يتراجع فيه استهلاك البنزين عادة. ويشير الغضبان إلى أن هذا النمط الموسمى معروف فى العراق منذ عقود، بما فى ذلك خلال تسعينات القرن الماضى.
ويبرز العامل الثالث فى إدارة المخزونات الاستراتيجية. فوفق الممارسات المتبعة منذ سنوات فى وزارة النفط، تُبنى احتياطيات البنزين وزيت الغاز خلال فصلى الخريف، والشتاء، عندما يتوفر فائض موسمى، فى حين تُكوَّن احتياطيات النفط الأبيض والغاز النفطى المسال خلال الصيف، عندما يتراجع الطلب عليهما.
لكن وقف استيراد البنزين أدى إلى السحب من المخزونات لتلبية الطلب المتزايد، ما أسهم فى نهاية المطاف فى حدوث نقص حاد خلال الصيف. وتوضح هذه التجربة، وفق طرح الغضبان، أن الفائض المسجل فى فترة معينة لا يكفى وحده لضمان توفر الإمدادات فى بقية أشهر السنة.
وإلى جانب العوامل التشغيلية، والموسمية، أسهم تسرب المنتجات النفطية من السوق المحلية فى تقليص الكميات المتاحة للمستهلكين. ويشير الغضبان إلى مسارين للتهريب: الأول داخلى تمثل فى انتقال جزء من المنتجات إلى إقليم كردستان بفعل الفوارق الكبيرة فى أسعار التجزئة، والثانى خارجى إلى الدول المجاورة، مدفوعًا أيضًا باختلاف الأسعار.
وزادت توقعات الإمدادات تعقيدًا بسبب تأخر تشغيل وحدة التكسير بالعامل المساعد فى مصفاة البصرة، التى كان يُنتظر أن تنتج نحو خمسة ملايين لتر يوميًا من البنزين عالى الأوكتان. ووفق الغضبان، كانت الوحدة تخضع لإجراءات التشغيل التجريبى، لكنها لم تدخل الخدمة بعد مغادرة المقاول فى أعقاب الصراع الإقليمى.
ويخلص الغضبان إلى أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن العراق لم يكن قد حقق بعد اكتفاءً ذاتيًا مستدامًا من المنتجات النفطية الرئيسة. فالتقييم، بحسب هذا الطرح، لا ينبغى أن يستند إلى فائض مؤقت فى الإنتاج، بل إلى قدرة مستمرة على تلبية الطلب، مدعومة بطاقة تكريرية كافية، ومكونات مناسبة لمزج البنزين، ومخزونات استراتيجية، وإجراءات فعالة للحد من تسرب المنتجات من السوق المحلية.
وفيما يتعلق بالغاز الطبيعى المسال، توقع الغضبان أن يواجه العراق صعوبة بالغة فى بدء استيراده بحلول عام 2028. وأشار إلى أن العراق أحرق كميات هائلة من الغاز بسبب غياب المعدات اللازمة لاستثماره، معتبرًا أنه من أكثر دول العالم حرقًا للغاز. لكنه توقع انخفاض معدلات الحرق مستقبلًا مع دخول المشاريع الجارى تنفيذها فى هذا المجال حيز التشغيل.
وتضع هذه التحديات ملف الطاقة العراقى أمام مسارين متداخلين: ضمان توفر المشتقات النفطية محليًا طوال العام، وتطوير القدرة على استثمار الغاز المصاحب، وتقليص حرقه، إلى جانب الاستعداد لتأمين احتياجات البلاد من الغاز عبر الاستيراد إذا اقتضت الحاجة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved