ما بين اليوم الضوئى والإبهار العلمى

محمد عبدالمنعم الشاذلي
محمد عبدالمنعم الشاذلي

آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

يمثل يوم ١٨ نوفمبر المقبل محطة فارقة فى تاريخ العلم والإنجاز البشرى عندما تصل المركبة الفضائية Voyager 1 إلى مسافة يوم ضوئى من الأرض، وهى المسافة التى يقطعها الضوء الذى تبلغ سرعته ٣٠٠ ألف كيلو متر فى الثانية فى يوم واحد وهى ٢٦ بليون كيلو متر.
هذه هى المسافة التى قطعتها المركبة فوياجر منذ انطلاقها يوم الخامس من سبتمبر ١٩٧٧ من قاعدة كيب كانافيرال فى ولاية فلوريدا الأمريكية على متن الصاروخ Titan lll Centaur.

بعد رحلة دامت سنة ونصف، حلقت المركبة يوم الخامس من مارس ١٩٧٩ على مسافة ٢٨٠٠ كيلو متر وهى أقرب مسافة وصلها البشر من المشترى، أكبر كواكب المجموعة الشمسية، وأرسلت معلومات علمية مهمة عن سطحه وتكوينه وأقماره، ثم عرجت المركبة إلى كوكب زحل فوصلت إلى تخومه بعد عشرين شهرا وأرسلت معلومات وقياسات دقيقة عن الكوكب الغازى العملاق وعن حلقاته الشهيرة وتكوينها وعن غلافه الجوى وأقماره.

وبعد أن أكملت فوياجر مهامها العلمية فى زحل استمرت فى رحلتها بسرعة تبلغ ٦١ ألف كيلومتر فى الساعة، وفى يوم ٢٥ أغسطس بعد ٣٥ عاما من انطلاقها وبعد أن قطعت مسافة 18.11 بليون كيلومتر حققت فوياجر إنجازًا علميًا وتاريخيًا بتجاوزها نطاق المجموعة الشمسية لتكون أول آلة من صنع البشر تحقق هذا السبق وتدخل فضاء ما بين النجومInter Stellar.

وتحسبا للقاء كائنات فضائية عاقلة، حملت فوياجر أسطوانة ذهبية مسجل عليها رسائل تعريف بكوكب الأرض بخمسة وخمسين لغة مع رسالة من الرئيس الأمريكى جيمى كارتر والأمين العام للأمم المتحدة تؤكد أن أهل الأرض يأتون فى سلام. وينتظر المجتمع العلمى العالمى يوم ١٨ نوفمبر الجارى ليتحقق الإنجاز الكبير بقطع مسافة يوم ضوئى عن الأرض.

• • •
إلا أن الإبهار العلمى ليس فى المسافات المقطوعة ولا فى السرعات المحققة بقدر ما هو فى الإنجاز العلمى والتقنى والصناعى إذا أخذنا فى الاعتبار أن طائرة الركاب عندما تهبط فى مطار بعد أن عبرت المحيط فى رحلة طولها بضعة آلاف من الكيلومترات تستغرق بالكاد عشر ساعات تخضع لفحوصات للسلامة وكشوفات لتحديد قطع الغيار المطلوب استبدالها بعد عدد محدد من ساعات الطيران وإمدادها بالوقود، ونقارن ذلك بمركبة قطعت ٢٦ بليون كيلو متر فى رحلة دامت حوالى ٥٠ سنة دون صيانة أو قطع غيار أو التزود بالوقود واحتاج الأمر إلى جهد علمى كبير فى مجال هندسة المواد material Engineering لاختيار مواد لا تُستهلك بالاحتكاك والاستعمال وتُبلى وتحتاج إلى الاستبدال، مثل الوقود اللازم للطاقة.

تحد آخر فالمركبات الفضائية التى تعمل فى نطاق المجموعة الشمسية تحصل على طاقتها من خلال الخلايا الضوئية التى تحول ضوء الشمس إلى طاقة أما فوياجر التى عملت بعيدا عن الشمس فإن البعد الساحق يجعل ما يصلها من أشعة أضعف من حاجتها للطاقة، فزودت المركبة بثلاث مفاعلات نووية صغيرة وزن الواحد منها 37.7 كيلوجرامات، وتحمل شحنة من البلوتونيوم ٢٣٨ زنتها 4.5 كيلوجرام كوقود لها. وتولد هذه البطاريات النووية الصغيرة طاقة تبلغ ٤٧٠ وات وهى الطاقة اللازمة لإنارة غرفة صغيرة، ومن خلال هذه الطاقة المحدودة يتم تشغيل الأجهزة العلمية التى تحملها فوياجر: الكاميرات وأجهزة التحليل الطيفى وأجهزة قياس البلازما والمجال المغناطيسى وتنقل المعلومات المجمعة إلى الأرض من خلال جهاز إرسال قوته ٢٣ وات وهى القوة الموازية لمصباح صغير ينير الثلاجة وبعد أن تقطع الرسالة المسافة الشاهقة لتصل إلى الأرض تكون قد تضاءلت وانكمشت إلى جزء من الترليون من الوات تستقبل وتكثف وتقوى حتى يمكن قراءتها من خلال شبكة الفضاء العميق Deep Space Network التابعة لوكالة ناسا بواسطة أطباق هوائية يبلغ قطر الواحد منها 34 مترًا.

الإبهار فى الاتصال عبر المساحات الساحقة يصاحبه إبهار فى القدرة على التحكم عن بُعد، فبعد أن تجاوزت فوياجر 1 نطاق المجموعة الشمسية بدأ وقودها النووى فى النضوب، فأرسلت محطة التحكم الأرضى إشارات لإغلاق عدد من الأجهزة لإعطاء الفرصة لأجهزة أخرى لتستمر فى العمل!

إن التحكم فى مركبة فضائية عن بعد على طريق يركض كل من عليه بسرعات هائلة أمر يصل فى صعوبته إلى ما يقرب الاستحالة فالأرض تدور حول محورها بسرعة ١٦٧٥ كم/ساعة وتتخذ مدارها حول الشمس بسرعة تبلغ ١٠٧٨٢٠ كم/ساعة، وتدور الشمس حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة ٨٢٨٠٠٠ كم/ساعة وتسير مجرة درب التبانة فى الفضاء بسرعة 2.1 مليون كم/ساعة، تلك السرعات الهائلة والمسافات الشاسعة تجعل متابعة مركبة فضاء وتحديد موقعها أمرًا بالغ الصعوبة، ورغم انبهارنا ببلوغ مسافة يوم فضائى فإننا ندرك محدودية قدرتنا أمام فضاء سرمدى يمتد لمسافة ١٥ بليون سنة ضوئية، ولعل ما يزيد من خيبة أملنا أن المستوى التقنى عند بداية رحلة فوياجر 1 منذ قرابة خمسين سنة جعل قدرة الكمبيوتر الذى حملته يوازى قدرة آلة حاسبة مكتبية اليوم.

• • •
أخيرا لعل البعض يتساءل عن جدوى إنفاق البلايين على مركبات فضائية لتعود محملة بالذهب والفضة (المواد النفيسة) فنجيب بأن الهدف منها هو الحصول على المعلومات عن الفضاء والكون الذى نعيش فيه ومن خلالها نعلم كيف نتعايش معه ونتقى أخطاره ونستفيد من الإمكانات التى يتيحها بل وكيف نؤهل أنفسنا للحياة خارج كوكبنا.

إن العالم بات فى مرحلة الإعداد لهذه الإنجازات وهذا ليس خيالًا علميًا بل هو حقيقة، ولعل نشاط شركتين فى اليابان يؤكد ذلك: وهما شركة Shimizu Corporation وشركةKajima Coporation، ويعملا بالتنسيق مع Japan Aerospace Exploration Agency (JAXA)، ويخططوا لإنتاج الخرسانة من تراب القمر والمياه من الجليد الموجود تحت سطحه لبناء المستوطنات القمرية وإقامة قبة تولد فيها جاذبية صناعية قريبة من جاذبية الأرض Artificial Gravity Habitat. فضلا عن مشروع Lunar Ring Project لوضع خلايا ضوئية تمتد لمسافة ١١٠٠ كيلو متر عند خط استواء القمر لتجميع الطاقة الشمسية ثم بثها عبر الفضاء إلى الأرض.

ختاما، أكرر هذا ليس خيالًا علميًا لكنها أبحاث علمية جارية على قدم وساق علينا متابعتها ودراستها حتى لا يتجاوزنا العلم وتسبقنا الحضارة وتفوتنا الفرص ونندم حين لا ينفع الندم.
عضو المجمع العلمى المصرى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved