كتالوج المواصفات المثالية

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 28 نوفمبر 2018 - 11:30 م بتوقيت القاهرة

أعلن عالم صينى أنه ساهم فى ولادة أول طفل تم التدخل فى جيناته، بغية حمايته من احتمال أن يصاب بفيروس نقص المناعة (الإيدز) ، وفتح ذلك من جديد الجدل حول موضوع التعديل الجينى للإنسان بين من يؤيد أبحاثا قد تجنب الإنسان أمراض قد تعيق حياته، وإمكانية تعديل مواصفاته بحيث يصبح أكثر ذكاء أو نشاطا أو حتى طيبة، وبين قطاع مهول من المناهضين لتطور فى الطب والعلم بشكل قد يؤدى إلى عملية تصفية تضع حدا للتنوع حتى لو بغاية إيجابية كتجنب الأمراض.
***
وكما مع أى اختراع جديد يصعب على الإنسان استيعابه بسبب ابتعاده عن المألوف وتحديه لأعراف اجتماعية أو ثقافية أو دينية تنص على عكسه، ففكرة أن أختار ولد أو بنت حسب كتالوج هى فكرة مرعبة. من منا لم يسمع ولو مرة فى حياته عتاب ممن حوله عن تأخره بالمقارنة مع أحد أشقائه أو أقربائه؟ فأختى ربما أشطر منى فى المدرسة وابن عمى أكثر سلاسة منى فى التعامل وأبى أكثر عمقا منى فى التفكير وما إلى ذلك من مادة معتادة للحديث فى أى مناسبة عائلية.
***
لكن ماذا لو أتيحت لى فرصة أن أحدد، حتى لو بشكل عام أو تقريبى، الخطوط العريضة لطفل اخترت أن آتى به إلى الدنيا. بإمكانى أن أحدد جنسه، ستكون بنتا. ثم سأحدد شكلها عموما: أريدها طويلة ورشيقة، فلا تضطر أن تبذل جهدا للحفاظ على وزنها. شعرها غامق ولا بأس أن تكون عيناها واسعتين، مع غمازة على خدها الأيسر. سوف تكون اجتماعية وطبعا خارقة الذكاء، خصوصا فى المواد العلمية فى المدرسة. هل أكمل؟ بصراحة لا أحب هذه الفقرة ولا أحب فكرة أن تنتزع عنى مفاجآت كثيرة فى علاقتى مع طفلى، من أول اكتشافى لجنس ما أحمل، إلى لحظة وقوع نظرى عليه أو عليها حين ينفصل عنى عند الولادة، إلى كلماتهم الأولى ثم أول يوم فى المدرسة بل أول سنة والتى تكاد لا تعطى أى مؤشرات على قدرات الطفل العقلية، إلا إنه كان واضحا أنهم يعانون من حالة محددة كالتوحد مثلا. ماذا عن التفاصيل الحياتية التى يكتشفها كل إنسان عن نفسه خلال انتقاله من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، فتظهر صفات شخصيته، وتتأكد موهبة أو يظهر ضعف فيشغل الضعف والموهبة حيزا فى تفكير الأسرة بغية التعامل معه بأفضل شكل.
***
تخيل ألا أتفاجأ بصعوبة لفظ ابنتى لحرف الراء؟ وألا أضحك حين أكتشف كل سنة أن ابنى الأكبر، ورغم شبهه الشديد لزوجى، إلا أنه أكثر دهاء منه فى التفاوض على ما يريد. تخيل أن أحدد مسبقا أن ابنى الأوسط سوف يشبه أخى الوحيد. هو يشبهه فعلا إلى حد كبير، لكننى لم أختر ذلك حتى لو أن فى الشبه شىء يجعلنى شديدة التعلق بالأوسط ربما لأننى أكرر معه كثيرا مم كنت أفعله مع أخى فى صغره. تخيل أن أقرر أننى سأضع فى ابنتى كل ما أحبه فى نساء عائلتى من الطرفين، وسوف أستريح فى كرسى أثناء تقدمها فى العمر لأننى أضمن أن بين حكمة أمى والذكاء الاجتماعى لجدتى من أبى وشطارة جدتى من أمى وتحصيلى الأكاديمى فإنها جاهزة لأى موقف فى الحياة.
***
يا لضجر حياة لا تهزها المفاجآت! يا لرتابة يوم لا يخترقة مطب صناعى يضطرنا إما أن نقف فجأة أو أن نقع إن لم نره على الأرض لأننا رافعين وجهنا نحو سماء يوم خريفى رائع بصفاء سمائه وبياض سحبه. يا لمسئولية سوف أتحملها لو اخترت بعناية ودقة كيف أريد أن يتشكل أولادى ثم ظهر فى أحدهم لؤم لم أكن أتوقعه: هل سألوم نفسى لأننى نسيت أن أضع فيه رشة طيبة؟
***
أتذكر فيلما يحكى قصة ضاحية أمريكية جميع نساؤها جميلات، رشيقات، مهذبات، ربات بيوت ممتازات، يتبضعن من السوق ذاته كل صباح فى نفس الوقت ويرددن عبارات المجاملة حين يلتقين مستخدمات نبرة صوت واحدة. «زوجات ستيبفورد» كن معدلات جينيا حسب ما يراه قطاع واسع من الرجال على أنها مواصفات الزوجات المثاليات. انتهى الفيلم بانفجار التجربة فى وجه رئيس الفريق الطبى، وبشعور خانق يجتاحنى بأن هذه تماما بذرة الفكر الفاشى والنازى: أن يقرر أحدهم المواصفات المثالية التى نتعامل على أساسها مع الناس، فنعطى أهمية أكبر لمن هم أكثر جمالا (رغم اختلاف معايير الجمال من مكان إلى آخر) أو الأشد ذكاء، دون تعريف الذكاء: هل هو القدرة على التفوق فى الدراسة أم على حل مسائل حسابية معقدة أم على فض النزاعات بين الدول أو بين أفراد الحى، أم الذكاء هو القدرة على التعبير بالكلمات أو الموسيقى أو الفن عن مفاهيم معقدة؟

***
كتالوج المواصفات المثالية مادة قد تنفجر وتفجر معها تفاصيل يومية هى الحياة: كأن أتعامل مع سمات تظهر على من حولى وأتعلم، من خلال التعامل، أشياء عن نفسى وعنهم. كتالوج المواصفات المثالية يقف ضد التنوع والتفرد، ضد تشجيعى لابنى أثناء مباراة كرة القدم حتى وأنا أعرف أن لعبه ضعيف، ويمنعنى من مساعدة ابنتى فى تهجى الحروف، أليست الطفلة نابغة بطبيعة الحال؟ هل ممكن أن يتضمن الكتالوج إمكانية تجنب الأمراض فقط، دون التدخل فى الصفات الأخرى للناس؟ ربما أقبل هذا الكتالوج إن ضمن حد التدخل. فمن يريد أن يعيش فى ضاحية «ستيبفورد» كما فى الفيلم؟
كاتبة سورية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved