حروب الردَّة هى شعار اللحظة المطلوب

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 29 يناير 2020 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

منذ ثلاثين سنة ألقيت محاضرة بعنوان: «الثوابت أمام الردَّة فى الخليج العربى». كانت المناسبة هى تصاعد كتابات وأصوات البعض بشأن تخلّيهم عن هويّتهم العروبية، واستهزائهم بشعار الوحدة العربية، وانكفاء التزاماتهم تجاه الدولة الوطنية القطرية وليس وطنهم العربى الكبير، وذلك بسبب كارثة قرار احتلال دولة الكويت المفجع من قبل نظام الحكم فى العراق الشقيق ومساندة ذلك القرار من قبل جهات عربية عدّة.
فى تلك المحاضرة جادلت بأن هوية الأمة وثوابتها يجب ألا تتعرّض للاهتزاز والتراجع عنها بسبب أخطاء أو جنون هذا النظام العربى أو ذاك الحاكم. وبينت مماثلة ذلك التراجع عن الثوابت بالردّة عن دين الإسلام من قبل بعض الأفراد الأنانيين والقبائل الطامعة، وذلك بسبب الهرج والمرج الذى تفجّر فى الجزيرة العربية بعد موت رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) مباشرة.
ظننت فى حينه أن ما حدث من تراجع الثوابت كان حدثا عابرا سينتهى بعد أن تهدأ النفوس ويعود التوازن إلى العقل والضمير.
لكن تبيّن لى أن التراجع عن الثوابت، أى ممارسة الردّة عن العقائد والالتزامات السّابقة، بسبب هزائم أو أزمات سياسية طارئة ومؤقّتة، قد أصبح سلوكا ذهنيا ونفسيا مبتذلا عند بعض أفراد العرب، وخصوصا بعض مثقفيهم، وعند بعض أنظمة الحكم العربية، وخصوصا فى بلاد الغنى واليسر وعدم المحاسبة.
فى السبعينيات أدّت التراجعات والانتكاسات للمدّ القومى إلى ظهور ظاهرة الردّة تلك عند البعض، وفى التسعينيات أدّت كارثة غزو الكويت إلى عودة تلك الظاهرة من جديد عند البعض، واليوم تؤدّى الخلافات والتدخلات والصراعات بين نظام الحكم فى إيران والكثير من الأقطار العربية إلى تفجر تلك الظاهرة عند البعض، وخصوصا فى الخليج العربى، وبالأخص المفجع بالنسبة للتراجع عن ثوابت الصراع العربى الوجودى مع الكيان الاستعمارى الاحتلالى الصهيونى فى فلسطين المحتلة.
فى جميع تلك المناسبات، وغيرها كثير، ينبرى الانتهازيون وضعاف النفوس، بتناغم عجيب مع أعداء هذه الأمة، للنّهش فى ثوابت هوية هذه الأمة وآمالها فى وحدتها ووحدة وطنها المجزأ المتكالب عليه من كل حدب وصوب. لا تقف حملات هؤلاء عند النقد، والمطالبة بتصحيح الأخطاء والخطايا، ومعاقبة المسئولين، وإجراء مراجعات فكرية إن لزم الأمر، وإنما تقفز بصور عبثية مشبوهة إلى تدمير كل فكر والتزام ومشاعر عمل الكثيرين، عبر عشرات السنين، لبنائهم وبلورتهم وإقناع جماهير الأمة بأهمية تبنيهم لإخراج الأمة من ضعفها وتخلفها الحضارى الحالى.
لكننا الآن، نحن أمام ردات شاملة ومتشعبة ومتخفية وراء عدد من الأقنعة الكاذبة، كل منها يظهر كلمات حق يراد بها باطل.
فى السياسة هناك عند البعض تراجع عن التزامات الهوية العروبية المشتركة فى تحديد أعداء الأمة المشتركين والوقوف ضدهم بصورة جمعية. هناك تراجع عن الاستقلال القومى والوطنى، إذ يعود الاستعمار الظاهر والخفى إلى أرض العرب كاتفاقيات أمنية لمحاربة الإرهاب وقواعد عسكرية لحماية المصالح الخارجية وأطماعها. هناك ردّة لإضعاف وتقزيم الجامعة العربية وتفكيك كل التكتلات العربية الإقليمية الفرعية فى المغرب والخليج العربى.
هناك ارتداد نحو إعلاء الشأن الوطنى القطرى على كل المصالح القومية مهما تسبب ذلك فى فواجع تمس العرب الآخرين. وانتقل ذلك إلى تمويل وتسليح وتدريب قوى الهمجية الجهادية التكفيرية.
فى الاقتصاد هناك الرفض التام لتقاسم الثروة لصالح الجميع، والإصرار على تفضيل متطلبات العولمة النيولبرالية الرأسمالية على متطلبات الاقتصاد العربى المشترك، واستثمار الفوائض المالية لصالح الخارج على حساب الداخل. هناك التراجع عن أفكار خمسينيات القرن الماضى بالنسبة لتأميم الثروة البترولية، التى ضحى من أجل تحقيقها الكثيرون، وجعلها ملكية وطنية، وذلك لصالح عودة الشركات الأجنبية بصورة متعاظمة لإدارة كل جوانب التنقيب والنقل والتسويق.
فى الاجتماع هناك التراجع نحو فتح فرص العمالة فى بلاد العرب للأجانب غير العرب وتفضيلها على العمالة الوطنية، باسم التنافسية والانفتاح الاقتصادى، بحيث تزداد أعداد العاطلين وتصل نسبة البطالة إلى ثلاثين فى المائة، أى حوالى ثلاثة أضعاف النسبة المتوسطية العالمية. وأصبحت المجتمعات تدار كشركات خاصة وليس كتكوينات بشرية لها خصائصها وهويّاتها وحاجاتها الأساسية. اليوم تحتضر دولة الرعاية الاجتماعية العربية وتنتعش دولة السوق والمديونيات والفساد والصعود المذهل لهيمنة المال على السياسة.
كل ما ناضلت من أجله الأجيال العربية السابقة، على المستويات الوطنية والقومية، تثار اليوم من حوله الشكوك فى شكل ردات سياسية واقتصادية واجتماعية، لا تحكمها مبادئ ولا قيم ولا أخلاق ولا التزامات وطنية أو قومية أو إنسانية.
الأمل هى أن تكون حراكات الملايين، وبالأخص الشابات والشباب، فى شوارع الوطن العربى هى الفصل الأول من حروب ردة لن تتوقف حتى ننتهى من كل ظواهر وادعاءات أمثال مسيلمة الكذاب فى طول وعرض بلاد العرب.
مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved