النواب ومَواطِن الشبهات
محمد بصل
آخر تحديث:
الخميس 29 يناير 2026 - 8:27 م
بتوقيت القاهرة
منذ أيام تقدم النائب عبدالمنعم إمام، رئيس حزب العدل، بمذكرة إلى رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي، بشأن تشكيل مجلس أمناء مدينة القاهرة الجديدة متضمنًا أربعة من النواب، وفوز ثلاثة منهم بمناصب الرئيس والوكيل الأول والوكيل لمجلس الأمناء. ونبّه في مذكرته وتصريحات تليفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب إلى حالة تضارب المصالح بين عضوية مجلس النواب ومجلس أمناء المدينة، والخلط بين الدور البرلماني الرقابي المقترض وبين العمل التنفيذي بالمخالفة لمواد الدستور ولائحة مجلس النواب، أخذًا في الاعتبار أن مجالس أمناء المدن تخضع لسلطة وزير الإسكان وأعضاؤها جزء من المنظومة التنفيذية للمجتمعات العمرانية الجديدة.
للوهلة الأولى؛ تعطي تسمية "مجلس الأمناء" انطباعًا إشرافيًا ومستقلًا وغير تنفيذي على أعمال جهة أو كيان معين. لكن بالعودة إلى قرار وزير الإسكان رقم 1052 لسنة 2025 في شأن نظام العمل بمجالس الأمناء بالمدن الجديدة، نلحظ أن اختصاصاتها تقع في منطقة رمادية تمزج الطابع الإشرافي بالواجبات التنفيذية الواقعة تحت إشراف الوزير بصفته رئيس مجلس إدارة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة. حيث تختص بوضع خطة الموازنة، ومتابعة أداء الأجهزة العمرانية والعرض على الوزير، والمساهمة باقتراحات ومنها سياسة واضحة لسرعة تنمية المدينة، ودراسة أسباب تأخر استلام الأبنية الخدمية، وإبلاغ جهاز المدينة عن العشوائيات، والتنسيق مع اتحادات الشاغلين.
غير أن الأحكام الإجرائية تضفي طابعًا تنفيذيًا أكبر على مجلس الأمناء. حيث تقوم على اختيار الأعضاء لجنة إدارية بحتة برئاسة نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وعضوية مستشارها القانوني ورئيس جهاز المدينة وموظفين آخرين. يجرون المقابلات مع المرشحين ويقيمونهم ويعلنون القائمة النهائية للمترشحين. كما أن قرار إسقاط العضوية يصدر من الوزير بناء على ما يعرضه نائب رئيس الهيئة في شروط معينة. كما يملك الوزير إصدار قرار بحل مجلس الأمناء "لأسباب تقتضيها المصلحة العامة".
وأيًّا كان الرأي في هذا التنظيم ومدى فاعليته في تحسين إدارة المدن الجديدة، يلفت النظر أن التقدم لعضوية مجلس الأمناء كان متزامنًا تمامًا مع إجراءات الترشح لعضوية مجلس النواب والانتخابات البرلمانية الأخيرة، أي أن النواب الأربعة لم يجدوا غضاضة في الجمع بين العضويتين، مما يشير إلى ضبابية الحدود الفاصلة بين عضوية البرلمان والوظائف العامة والإشرافية والأعمال الإدارية والفنية الأخرى.
الأمر أوسع من حالة القاهرة الجديدة التي فجرها إمام. فقد يُختار نواب آخرون في لجان إشرافية أو تنسيقية أو أعمال مؤقتة لا تستقيم مع العمل التشريعي والرقابي.
واحتمالات التضارب تفوق بكثير الوظائف المحظورة وحالات عدم الجمع ومنع التعاقد وفصل الملكية المذكورة في المادتين 353 و354 ومواد الفصل الخامس من لائحة مجلس النواب، كما تؤكد أهمية دور وحدة تجنب تعارض المصالح التي تنظم المادة 380 عملها لتقديم المشورة لأعضاء المجلس.
والقاعدة المستقرة في فتاوى مجلس الدولة منذ ثلاثة عقود بالنسبة لأعضاء المجالس النيابية والمجالس الشعبية المحلية (الغائبة حاليًا) هي عدم الوقوف عند النصوص الصريحة بالسماح أو الحظر، بل "الابتعاد عن مواطن الشبهات ومظان استغلال النفوذ، نأيًا بهم عن كل ما يؤثر في قيامهم بمهامهم على الوجه المنشود" مقابل عدم التوسع في الاستثناءات المذكورة حصرًا في اللائحة الداخلية.
استخدمت الفتاوى تعبيرات "الشبهات والمظان" اكتفاءً بها كأسباب حاسمة لمنع الجمع بين العمل النيابي ووظائف تنفيذية متعارضة، ولم تخرج عن ذلك التفسير إلّا في أضيق الحدود.
يعود أحدث استخدام لهذه القاعدة إلى عام 2021 عندما قررت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة عدم جواز تعاقد وزارة الطيران مع أحد نواب مجلس الشيوخ كمساعد أو مستشار للوزير أو لتقديم استشارات فنية والإشراف على رسم السياسة الأمنية للوزارة "حرصًا على حسن أداء مهام العضوية بالتفرغ لها" على الرغم من أن مجلس الشيوخ بوضعه الدستوري الحالي ليس له اختصاص رقابي من الأساس، فما بالنا بمجلس النواب؟!
في عالم مثالي؛ لا يقتصر خطر تضارب المصالح على تكبيل حرية النائب في استخدام أدواته الرقابية، أو التأثير على نزاهته والتعبير عن إرادة ناخبيه بقوة أمام المسئولين، بل يمتد إلى احتمال استفادته من ازدواج موقعه، أو استخدام معلومات وبيانات يحصل عليها بقوة القانون كنائب أو بحكم منصبه الآخر، وتتدرج المخاطر حتى تبلغ حد التأثير على آرائه في مشروعات القوانين التي يُمثل مائة مليون مصري عند مناقشتها.