الاتجاهات الإفريقية المتوقعة وآثارها الشرق أوسطية عام 2026

قضايا إفريقية
قضايا إفريقية

آخر تحديث: الخميس 29 يناير 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

من الواضح أن إفريقيا تدخل عام 2026 فى لحظة فارقة، تتداخل فيها الفرص والأزمات فى آنٍ واحد. فالمعضلات الأمنية وقضايا الحوكمة، وتقلبات المناخ، والديون المتراكمة، كلها عوامل تتصادم مع نظام عالمى سريع التغير. وباتت سياسات القوة، وفقًا لمبدأ «دونرو» الذى يرتبط بسياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وليس القواعد، هى التى تحدد النظام الدولى الجديد. وفى الوقت نفسه، تزداد أهمية إفريقيا بالنسبة لمستقبل العالم؛ إذ تضم القارة نحو 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية فى العالم، وحصة كبيرة من المعادن الأساسية لانتقال الطاقة العالمى. ومع ذلك، لا تزال المفارقة قائمة؛ فإفريقيا لا غنى عنها عالميًا؛ لكنها لا تزال تُعانى من ضعف سياسى وتهميش اقتصادى فى هياكل الحوكمة العالمية.

 


ويمكن، فى إطار التوقعات المستقبلية لعام 2026، تصور أربع قضايا مترابطة تصوغ المشهد العام فى إفريقيا خلال العام الحالى، تدور حول التحولات الجيوسياسية، والأمن، والديون، والتحول الرقمى. وفى ضوء ملامح عالم ما بعد الغرب؛ سوف يعتمد مسار إفريقيا المستقبلى على الخيارات الإفريقية وشركائها فى مناطق الجنوب العالمى.
• • •
من المُتوقع أن يتحول المشهد الجيوسياسى فى إفريقيا عام 2026 من تعاون متعدد الأطراف إلى تنافس سياسى قائم على المصالح المشتركة؛ يتسم بمنافسة مفتوحة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى أخرى فى الشرق الأوسط على المعادن، والنفوذ السياسى والعسكرى، وطرق التجارة. وقد أبرزت قمم بارزة، مثل قمة بريكس فى ريو دى جانيرو - التى ضمت قادة أفارقة من جنوب إفريقيا وإثيوبيا ومصر - وأول قمة لمجموعة العشرين تُعقد على أرض إفريقية فى جوهانسبرج؛ دور القارة الإفريقية فى ظل التعريفات الجمركية العقابية وسياسة العزلة التى انتهجها ترامب. بيد أن هذا الدور يتراجع مع إعطاء الولايات المتحدة، بصفتها قائدة مجموعة العشرين، الأولوية لرفع القيود التنظيمية على حساب التنمية؛ حيث يشير احتمال استبعاد جنوب إفريقيا من قمة ميامى 2026 إلى دبلوماسية قسرية تستخدم الدعوات كسلاح وتختبر التضامن الإفريقى.
أما بالنسبة للشرق الأوسط فتعزز هذه التحولات الدور المحورى لمصر كبوابة لشمال إفريقيا، مستفيدة من مشاركتها فى بريكس إلى جانب جنوب إفريقيا وإثيوبيا لموازنة التعريفات الجمركية الأمريكية مع البنية التحتية الصينية والعروض الأمنية الروسية. كما قد تجد دول الخليج فرصًا واعدة للاستثمار فى المنجنيز الغابونى والغاز الطبيعى المسال السنغالى.
• • •
تُعد منطقة الساحل أحد أكثر بؤر الصراع حدة وتفاقمًا فى إفريقيا، حيث تتداخل فيها حركات التمرد وهشاشة الدولة والانهيار الإنسانى، كما تشهد حراكًا واسعًا وتمددًا إقليميًا للجماعات الإرهابية العنيفة. ولعل ذلك يبرز بجلاء فى تصاعد وتيرة العنف المتطرف فى أنحاء غرب إفريقيا بشكل حاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ومن المرجح أن تتعمق الأزمة عام 2026 وتمتد جنوبًا. وقد شهدنا، بحلول أواخر عام 2025، نزوح أكثر من 3.3 مليون شخص من ديارهم فى منطقة الساحل الأوسط وحدها، وتشير تقديرات أوسع إلى أن إجمالى عدد النازحين، بمن فيهم اللاجئون والنازحون داخليًا، يبلغ نحو 5.9 مليون شخص، إلى جانب نحو 2.2 مليون لاجئ تستضيفهم الدول المجاورة. ولا يخفى أن ضعف القيادة الإقليمية، وسوء الحوكمة، وتراجع جهود مكافحة الإرهاب الدولية؛ جميعها عوامل خلقت فراغًا استراتيجيًا كان بمثابة بيئة حاضنة للنزعات المتطرفة العنيفة.
وعندما تفشل السلطات المركزية فى تحالف الساحل، الذى يضم مالى وبوركينا فاسو والنيجر، فى فرض السيطرة أو الاستجابة لمظالم السكان المحليين، وخاصةً التنافس على الأراضى بين الرعاة والمزارعين؛ تتدخل هذه الجماعات الإرهابية، معتمدة فى الغالب على هجمات واسعة النطاق، فى الوقت الذى تُروّج فيه لسرديتها الدينية لجذب العقول والقلوب، ولا سيّما فى المجتمعات الريفية؛ وهو ما يؤدى فى نهاية المطاف إلى تمددها بشكل تدريجى. وحيثما تعجز الحكومات عن توفير الأمن أو تسوية النزاعات حول الأرض والمياه، يتقدم هؤلاء المتطرفون لسد الفراغ، ويطالبون بالولاء لهم فى المقابل.
• • •
تواجه إفريقيا مفارقة الديون عام 2026؛ إذ تنمو اقتصاداتها، ومع ذلك فإن نصف الدول الفقيرة فيها (53%) مُعرضة لخطر أزمة الديون أو تواجهها بالفعل، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولى. وفى هذا السياق، تدفع الحكومات فوائد أعلى بمرتين إلى أربع مرات مقارنة بالدول الغنية، وتنفق على القروض أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم. وتشمل الأسباب الرئيسية فخاخ تصدير السلع الأساسية، وتخفيضات الإنفاق التى فرضها صندوق النقد الدولى على عشر دول من غانا إلى زيمبابوى، ومضاعفة مدفوعات الديون على مدى عشر سنوات، ووجود نحو 44% من ديون الدائنين تأتى من القطاع الخاص، إلى جانب القروض الصينية.
ومن جهة أخرى، تؤدى سياسات التقشف إلى تقليص رواتب المعلمين والأطباء، بينما تخفض 43 دولة ميزانياتها بمقدار 183 مليار دولار حتى عام 2026؛ ما يعوق مشاريع الطرق والموانئ فى إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ومشاريع مكافحة تغير المناخ، ومشاريع الطاقة. كما تستمر عمليات إعادة هيكلة الديون فى زامبيا وإثيوبيا، فى الوقت الذى تقدم فيه وكالة التصنيف الائتمانى الإفريقية الجديدة بصيص أمل؛ لكنها لا تستطيع معالجة القيود المالية الفورية. وفى السياق نفسه، تموّل مؤسسات بريكس الجديدة مشاريع مؤقتة؛ لكنها لا تقدم عمليات إنقاذ.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن الأزمة المالية التى تُعانى منها إفريقيا تُقلل من قدرة الأسواق على استيعاب الصادرات والاستثمارات؛ مما قد يؤثر فى شراكات التنمية لدول المنطقة.
• • •
يشهد التحول الرقمى فى إفريقيا تسارعًا ملحوظًا بحلول عام 2026، حيث يُسهم الاقتصاد الرقمى بنسبة 5.2% من الناتج المحلى الإجمالى، مقارنة بنحو 1.1% فقط فى عام 2012. وقد ارتبط هذا الارتفاع بتوسع نطاق الوصول إلى الإنترنت ومنصات الخدمات الرقمية، مثل كينيا ومنصة "إيريمبو" فى رواندا، التى تُعالج ملايين المعاملات. وتتصدر مصر دول شمال إفريقيا بنسبة انتشار للإنترنت تتجاوز 70% وشبكات الاتصالات المتنقلة واسعة النطاق. بيد أن الفجوات فى إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال قائمة؛ فنصف متوسط الاتصال العالمى لا يشمل النساء والمناطق الريفية والشباب، بينما تستضيف إفريقيا أقل من 1% من مراكز البيانات العالمية، على الرغم من الطلب المتزايد على الحوسبة السحابية. ويُعد التنسيق الفعّال بشأن الاتصالات المتنقلة، والهويات الرقمية، والمدفوعات، والمهارات؛ أمرًا بالغ الأهمية للاستفادة من العائد الديموغرافى وتجنب التهميش فى الاقتصاد العالمى القائم على البيانات.
كما تبرز حوكمة الذكاء الاصطناعى كأولوية بعد أن سلطت قمم بريكس الضوء على المخاطر، حيث تم دمج النماذج المتقدمة الآن فى تطوير البرمجيات وتسريع البحث والتطوير والتكنولوجيا الحيوية، والأدوات اليومية مثل روبوتات الدردشة للبريد الإلكترونى والبرمجة وبناء المهارات، والتى لا تزال فى مراحلها الثورية الأولى. وفى هذا السياق، يتعين على إفريقيا بناء أنظمة بيانات موثوقة لتعزيز الإنتاجية والأمن والمساءلة، وتوسيع نطاق البنية التحتية الرقمية العامة فى مجالات الصحة والتعليم والتدفقات العابرة للحدود. ومن دون أطر شاملة تحمى الحقوق فى ظل تفاوت التقدم، تُخاطر القارة بالاستبعاد من الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعى فى الحوكمة والابتكار.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن التخلف الرقمى لإفريقيا يُعوق المشاريع المشتركة فى البنية التحتية السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى؛ مما قد يحد من استثمارات دول المنطقة فى مراكز البيانات أو شركات التكنولوجيا المالية الناشئة. كما أن ضعف سيادة البيانات الإفريقية يُفاقم ثغرات الأمن السيبرانى التى قد تمتد إلى طرق التجارة فى البحر الأحمر، فى حين أن فجوات الاتصال تُبطئ اندماج التجارة الإلكترونية فى إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو أمر بالغ الأهمية للصادرات الإقليمية.
ختامًا، يتعين على جميع الأطراف الفاعلة الإفريقية التعاون لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية، وبناء أسواق متكاملة فى إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وفى ظل عالم يتنافس بشدة على تأمين الإمدادات، لن تتحقق قوة إفريقيا بالتنافس فيما بينها؛ بل بالتفاوض ككيان واحد، وتحويل ثرواتها الطبيعية إلى فرص عمل، وتعزيز قدرتها على الصمود، ومنحها حرية الاختيار السيادى فى عالم متعدد الأقطاب على مدى العقود المقبلة.

 

 

حمدى عبدالرحمن
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى:


https://tinyurl.com/3hma4e8e

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved