أمراض الغمز واللمز فى حياة العرب والمسلمين المتعاظمة

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 29 أبريل 2026 - 8:45 م بتوقيت القاهرة

هناك حاجة ملحّة لمناقشة موضوع الخطاب، بكل أنواع تعبيراته، فيما بين الأنظمة الرسمية القُطرية العربية، وما بين الأنظمة الرسمية التابعة للدول الإسلامية، وفيما بين مجتمعات وشعوب تلك الأقطار والدول. وذلك تمهيدًا لوضع ثوابت مبدئية تحكم تلك الخطابات، وخلق أنظمة قانونية وتقاضٍ للنظر فى أى مماحكات وانتهاكات وخلافات تطال تلك الخطابات.

هذا موضوع أصبح بالغ الأهمية ومستعجلًا إلى أبعد الحدود، بعد أن أصبح تفجّر الخطابات الخاطئة التلاسنية جزءًا من كل مشكلة سياسية أو أمنية تطال هذه المنطقة العربية أو تلك، أو تطال هذه المنطقة الإسلامية أو تلك.

ومع أن تاريخ الأمة العربية والأمم الإسلامية مليء بوجود تلك الظاهرة، إلا أن ما شاهدناه من أمراض خطابية على المستويين الرسمى والمجتمعى الشعبى إبان فجيعة غزّة خلال السنوات الثلاث، ونشاهده الآن إبان الهجمة الصهيو-أمريكية على إيران، وردود أفعال إيران التى طالت كل دول مجلس التعاون، إن ما شاهدناه مؤخرًا قد طال كل الثوابت العروبية والإسلامية، وأصبح يمثل تهديدًا وجوديًا للعلاقات العربية-العربية، وللعلاقات العربية الإسلامية.

فلقد تعودنا فى الماضى أن نرى مشاهد الاحتكاكات والملاسنات الإعلامية فيما بين الدول وأنظمتها الإعلامية، لكن الوضع بالنسبة للاحتكاكات والملاسنات فيما بين الشعوب والأفراد، خصوصًا على مستوى شبكات التواصل الاجتماعى، ذاك الوضع المفجع الحالى، ينذر بأخطار جسيمة مستقبلية ستطال كل الأنظمة والمؤسسات المشتركة العربية والإسلامية بأشد العواقب والأخطار.

ما عادت تلك الملاسنات فى شكل عتابات أخوية أو فى شكل طرح أسئلة تحتاج إلى إجابات، وإنما وصلت إلى حدود الغمز واللمز والتجريح والاتهامات، وتناسى كل المبادئ والقيم الأخوية العربية والإسلامية.

وأصبح واضحًا أن ما كان الكيان الصهيونى والاستعمار الأمريكى يهدفان إليه، من تمزيق المجتمعات وتفتيتها، وإدخالها فى صراعات مذهبية وقبلية وثقافية وسياسية عبثية، ونقلها إلى مؤامرة سايكس-بيكوية جديدة، يقترب من التحقق.

ما عاد البعض يفتشون عن أسباب العجز أو عدم الوقوف مع هذه الجهة العربية أو الإسلامية أو تلك، ولا عن تعابير العتاب الأخوى الذى ينشد توضيحًا، ولا عن الخطوات التى نحتاج أن نخطوها ليخرج الجميع من هذه الأوضاع المأساوية، وإنما كل ما يفعلونه تجاه بعضهم البعض هو اللوم المستهزئ والغمز واللمز، والإشارة إلى نواقص المبادئ والأخلاق عند هؤلاء الأقوام وأولئك، بل والنبش فى التاريخ العربى الإسلامى من أجل الحصول على مسبّبات اللوم والتحقير، والتهديد بالتخلى الطوعى عن الهوية العروبية، وعن مستلزمات الأخوة الإسلامية.

وهنا أشدّد على الدور السلبى الذى يفعله حقل التواصل الاجتماعى فى إذكاء ذلك، وبعض الإذاعات ومحطات التليفزيون التى أصبحت متخصصة فى إذكاء كل أنواع الفتن، وفى الكذب، وفى التلاعب بالألفاظ، وفى تغطية الوجوه بألف ساتر تلفيقى مخفى لكل الحقائق.

دعنا نؤكد فى الحال أنه لن يكون التحسين اللفظى فى الخطاب كافيًا، بالرغم من أهميته، بل أصبح من الضرورى خلق المؤسسات التقاضية والتصالحية، المماثلة لما خلقه مثلًا الاتحاد الأوروبى من أجل النظر فى كل الخلافات، ووضع الخطوط الحمر التى لا تسمح بتخطيها، وإعطاء تلك المؤسسات التصالحية القدرات على التدخل وإصدار الأحكام، وليس قدرات التراضى الضعيف المبتذل.

لقد كُتب الكثير بشأن الأهمية القصوى لخلق تلك المؤسسات، منذ قيام الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى ومؤسسة التضامن العربى الإسلامى، ولكن دون استجابة مع الأسف من غالبية أعضاء تلك المؤسسات، من أجل بناء جدار حقوقى تفاهمى صلب. ويأمل الإنسان، فى هذه اللحظة المليئة بالآلام والأخطار التى نعيشها، أن يُعاد طرح خلق أنظمة الخلافات والتقاضى والوساطات فى هذه المؤسسات التى تعانى الأمرّين فى عملها، وذلك بسبب عدم وجود القدرات التنظيمية والقانونية والسياسية التى هى فى صلب كل تكتّل، من أى نوع وأى مستوى يكون، مع الأسف. ولنا عودة إلى هذا الموضوع فى مقالات قادمة، بسبب الأهمية القصوى لمواجهة هذا الإشكال.

 

مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved