التحوُّر فى القضية الفلسطينية

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: السبت 29 مايو 2021 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

التحوُّر هو تغيُّر فى بنية جين من الجينات يتوَّلد عنه شكل جديد لهذا الجين تتوارثه الأجيال فيما بعد. السبب فى هذا التغيُّر تبدل فى وحدة من وحدات الحامض النووى. أما الجين فهو الوحدة المادية والوظيفية الأساسية الناقلة للصفات الوراثية. هذه استعارة من علم الأحياء، والاستعارة منه ليست غريبة. كل نظرية المنظومات فى العلوم الاجتماعية، التى تتكرر مفرداتها على ألسنة الناس فى كل مكان وعلى صفحات جرائدهم، مأخوذة عن علم الأحياء.
محاولات المستوطنين الصهاينة طرد السكان الفلسطينيين من ديارهم فى حى الشيخ جراح فى القدس الشرقية منذ الأسبوع الأول من شهر مايو الجارى، ومن بعدها اقتحام القوات الإسرائيلية لساحة المسجد الأقصى واعتداؤها على المصلين فيه، ثم قذف إسرائيل الوحشى لغزة وتدميرها اليائس للمنازل والأبراج على رءوس سكانها من الأطفال والنساء والرجال، واحتجاجات سكان إسرائيل من الفلسطينيين وتضامنهم مع طوائف شعبهم فى القدس وغزة، كشفت كلها عن تحوُّر عظيم الأهمية حدث للقضية الفلسطينية. التحوُّر نرى بينات عليه فى المواقف الدولية المتخذة من العنف المرتكب فى حق الشعب الفلسطينى وفى إعادة طرح المظالم التى تعرض لها منذ النكبة وتشريده فى سنة 1948. البينات عديدة سنستعرض بعضا منها أدناه ولكن التحوُّر نفسه يتسم بأهمية قصوى نتناوله أولا.
***
القضية الفلسطينية نشأت قضية وطنية وهى وبشكل طبيعى صارت عربية، واعتبر العرب أن المواجهة مع الصهيونية هى صراع عربى ــ إسرائيلى. بعد عقود، العجز العربى والهيمنة الأمريكية أديا إلى تغير فى المفاهيم والمصطلحات، فصار النزاع «إسرائيلى ــ فلسطينى». دعك من أن فريقا من الفلسطينيين ومن العرب معهم أراد أن يجعل من القضية الفلسطينية صراعا دينيا وقطع شوطا فيما أراده على الرغم من أنه بذلك كان يلعب على أرض الصهاينة الذين قدموا أسانيد دينية لدعاواهم السياسية. دعك من ذلك لأنه لم ينجح فالصراع ظل وطنيا لأنه كذلك فعلا. القضية الفلسطينية نشأت لأنه مع انهيار الإمبراطوريتين النمساوية المجرية والعثمانية نتيجةً للحرب العالمية الأولى، نشأت عن أشلائهما دول وطنية مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا والنمسا والمجر فى أوروبا، ومثل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين فى المشرق العربى. صحيح أن هذه الأربعة الأخيرة وضعت تحت الانتداب البريطانى والفرنسى ولكن الثلاثة الأولى تخلصوا من الانتداب وحصلوا على الاستقلال، بينما حلت النكبة على فلسطين فهى خرجت من الانتداب ليتحول الجزء الأكبر من إقليمها إلى إسرائيل ويرحَّل أغلب مواطنيها قسريا منها ليلجأوا إلى سوريا ولبنان المتحررتين من الانتداب وليلجأوا كذلك أو يصبحوا مواطنين فى ذلك الجزء من أرض الانتداب على فلسطين الذى لم تعد بريطانيا الحركة الصهيونية به وصار الأردن. العراق وسوريا ولبنان والأردن مثلما هى حالات النمسا الجديدة والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا تعبيرات عن حركة الهندسة القومية التى قامت عليها القوى الاستعمارية ورأت فيها امتدادا طبيعيا للحركة القومية فى أوروبا القرن التاسع عشر. ليست هذه المناسبة للتساؤل عن قوة أساسات هذه الدول الوطنية أو ضعفها. المهم فى مجالنا هذا التنويه بأن الدولة الوطنية لم تنشأ فى فلسطين لأن حركة منافسة دخيلة خلطت الدين بالقومية انتزعت إقليمها منها. مقاومة الشعب الفلسطينى فى حى الشيخ جراح وفى ساحة المسجد الأقصى وفى غزة وفى داخل إسرائيل نفسها هى تعبير عن تمسكه الممتد بأن يكون جزءا من الحركة القومية فيستطيع ممارسة حقه فى تقرير المصير وهو من حقوق الإنسان لا يمكنه بدونه ممارسة حقوقه الأخرى. من هنا ظهر التلازم بين الحق فى تقرير المصير وغيره من حقوق الإنسان. هذا التلازم هو الذى أدى عبر سنوات وعقود إلى التحوُّر فى القضية الفلسطينية، فالقضية لم تصبح قضية وطنية فقط بل قضية إنسانية تعنى كل الحريصين على حقوق الإنسان فى الحياة وفى المساواة وفى التنقل وفى محاكمات منصفة وفى الحرية وفى الأمان وفى الكرامة وفى العمل وفى مستوى معيشى كافٍ وفى الصحة الجسمية والعقلية وفى التعليم وفى غيرها من الحقوق. هؤلاء ليسوا قليلين. إن كان فى العالم بشر أنانيون وعدوانيون فإن فيه أيضا منصفين محبين للعدالة بين البشر. فى هذه الحالة البشر هم الفلسطينيون كما كانوا فى حالة سابقة أهل جنوب أفريقيا، وما زال المواطنون السود فى الولايات المتحدة، وشتى المهاجرين فى الولايات المتحدة أيضا وفى أوروبا وغيرهما.
***
أنظر فى البينات على تحوٌّر القضية إلى قضية إنسانية. البينات من إسرائيل نفسها أولا ثم من أوروبا الغربية ومن الولايات المتحدة وهما السند الأول لإسرائيل عند نشأتها ثم فى توسعها وغطرستها. الساحة السياسية الإسرائيلية تحركت وبشكل متزايد نحو اليمين وهى أصبحت رهينة لدى حركات المستوطنين وأقصى اليمين، والدولة فى إسرائيل مصممة، من غير جدوى، على سحق إرادة الفلسطينيين فى المقاومة. ومع ذلك، فثمة فاعلون أكاديميون واجتماعيون فى إسرائيل ينددون بالترحيل القسرى المنظم للشعب الفلسطينى وبالتطهير العرقى الذى كان ضحيته عند نشأة إسرائيل. فعل ذلك المؤرخون الجدد فى إسرائيل ومن بينهم إيلان بابيه الذى كشف فى سنة 2006 عن الخطة «دال» وهى خطة محكمة صممتها الحركة الصهيونية للترحيل القسرى للفلسطينيين عند نشأة دولتها. ومنظمة غير حكومية إسرائيلية هى منظمة «ذكروت» تنشر بين الإسرائيليين أنفسهم الوعى بالنكبة وبالترحيل القسرى للفلسطينيين. منظمة غير حكومية أخرى هى «بتسليم» تندد صراحة بالفصل العنصرى الذى تمارسه إسرائيل فى حق الفلسطينيين.
فى الولايات المتحدة وفى أوروبا الغربية البينات على التحوُّر مدهشة. اثنا عشر عضوا فى الكونجرس يأخذون الكلمة فى خلال أحداث شهر مايو لينددوا بسياسات إسرائيل. رئيس لجنة الشئون الخارجية فى مجلس الشيوخ وهو النصير لإسرائيل يقول إنه يشعر باضطراب شديد إزاء تعامل بنيامين نتنياهو العسكرى مع غزة. زعيم الأغلبية الديمقراطية فى مجلس الشيوخ الذى استندت حياته السياسية كلها فى ولاية نيويورك إلى تأييده المطلق لإسرائيل يصمت تماما. عضو يهودى فى مجلس الشيوخ عن ولاية جورجيا يطالب بوقف إطلاق النار. الرئيس بايدن، وهو المعروف عنه أيضا مناصرته لإسرائيل، ومن بعده وزير خارجيته يتحدثان عن الحق المتساوى للإسرائيليين والفلسطينيين فى أن يعيشوا فى أمن وأمان وفى أن يتمتعوا وبشكل متساوٍ بالحرية والرخاء والديمقراطية. محكمة فيدرالية فى ولاية جورجيا تقضى بعدم دستورية قانون للولاية يلزم كل من يتلقى مالا عاما بأن يقسم بأنه لن يقاطع إسرائيل وكذلك بعدم دستورية مطالبته بأن يوقع على شهادة بأنه ليس منخرطا فى حركة لمقاطعة إسرائيل. الدعوة أقامتها أمام المحكمة صحفية أمريكية بيضاء شديدة الانتقاد لإسرائيل دعيت لإلقاء محاضرة فى إحدى جامعات جورجيا ثم سحبت دعوتها لما رفضت الإذعان لما يطلبه القانون المقضى بعدم دستوريته. انضمت إلى الصحفية فى الدعوة التى أقامتها منظمات حقوقية منها منظمات يهودية. محاكم فى أريزونا وكانساس وتكساس وأركنسو كانت قد قضت هى الأخرى بعدم دستورية قوانين شبيهة الغرض منها مكافحة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل التى توسعت فى الدوائر الثقافية الأمريكية. منظمة «مراقبة حقوق الإنسان» (هيومان رايتس ووتش) تصف النظام فى الأراضى المحتلة بأنه نظام للفصل العنصرى. مظاهرات مناصرة للفلسطينيين تسير فى شوارع واشنطن ونيويورك وبوستون وديترويت وسان فرنسيسكو. أساتذة فى أفضل الجامعات مثل هارفارد وبرينستون وبيركلى يصدرون بيانات للتنديد بسياسات إسرائيل وبالفصل العنصرى الذى تفرضه على الشعب الفلسطينى مطالبين بتفعيل حقوقه. كبار السن من أتباع الكنيسة الإنجيلية متعصبون لإسرائيل ولكن لا يتعدى من يؤيدونها بين شباب الكنيسة ثلثهم فقط. أغلبية ناخبى الحزب الديمقراطى صاروا يعارضون سياسات إسرائيل ويحبذون ربط المعونة التى تمنح لها بمعاملتها للفلسطينيين. هذا شجع المنظمات اليهودية التقدمية ومنظمات الأمريكيين العرب على الاتصال بممثليهم فى الكونجرس فشجع ذلك بدوره هؤلاء على الحديث فى الكونجرس كما ذكر أعلاه. صحيفتا القمة، النيويورك تايمز والواشنطن بوست، تنشران مقالات ومقالات تندد بالممارسات الإسرائيلية وتطالب بمحاسبة إسرائيل، منها مقال فى النيويورك تايمز لعضو مجلس الشيوخ برنى ساندرز يعلن فيه «إن حياة الفلسطينيين مهمة» على غرار حملة «إن حياة السود مهمة» ويطالب بمحاسبة إسرائيل على المعونة التى تتلقاها من الولايات المتحدة، وهو ما يضاهيه كاتب فى الواشنطن بوست، وكلاهما يهودى الديانة. صحيفة نيويورك تايمز تخصص مساحة معتبرة من صفحتها الأولى مرتين لمعاناة الشعب الفلسطينى وتنشر فى صدر الصفحة يوم 28 مايو وتحت عنوان «إنهم كانوا مجرد أطفال» 64 صورة لأطفال فلسطينيين استشهدوا تحت وقع النيران الإسرائيلية. والنيويورك تايمز تنشر فى صفحتها الأولى أيضا وتحت عنوان «خطة يهودية لعودة اللاجئين الفلسطينيين» مقالا لكاتب أمريكى يهودى يعرض فيه خطة كاملة لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرض فلسطين معتبرا أن هذه العودة ممكنة وأن المكان الكافى موجود فى إسرائيل الحالية بل إنه يذهب إلى تفصيل إجراءات العودة وتأهيل العائدين ومساعدتهم على الاستقرار. الكاتب، بيتر بينارت، يعيد نشر المقال فى جريدة الجارديان البريطانية وهو ينشر صيغة منه أيضا فى مجلة «جويش كارنتس» اليهودية التقدمية. كاتب فى الواشنطن بوست يشيد بأخذ الرئيس بايدن بآراء يسار الحزب الديمقراطى بشأن الاقتصاد والتوسع المالى تحديدا وكذلك بخصوص القضية العنصرية فى الولايات المتحدة ويدعوه إلى أن يأخذ برأى اليسار بشأن السياسة الخارجية أيضا لأن أحداث الأسابيع الأخيرة كشفت على أن ما قاله اليسار صحيح فسياسة مجاراة الحكومة الإسرائيلية فى كل ما تريد فشلت أخلاقيا وكذلك استراتيجيا لأنها لم تؤد إلى السلام.
فى أوروبا الغربية حظرت حكومتا ألمانيا وفرنسا التظاهر تأييدا للشعب الفلسطينى فى برلين وباريس ومع ذلك سار المتظاهرون فى المدينتين وفى مارسيليا وفى لايبزيج وفرانكفورت وهامبورج وبون. وتظاهر الناس فى مدريد وفى لندن حيث وصل عددهم إلى المائة ألف. وفى جمهورية أيرلندا أصدر البرلمان بإجماع أعضائه قرارا اعتبر المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والقدس بمثابة ضم للأراضى والضم مستهجن فى القانون الدولى وبسببه فرض الاتحاد الأوروبى عقوبات على روسيا عندما ضمت شبه جزيرة القرم. وفى فرنسا نفسها ذات السياسة الملتبسة حذر وزير الخارجية من انزلاق إسرائيل إلى نظام للفصل العنصرى.
***
مجمل القول أن النضال من أجل القضية الفلسطينية لم يصبح مقتصرا على فلسطين وحدها، بمساندة من الدول العربية أو من دونها، وإنما هو الآن فى إسرائيل ذاتها، واهن وإن كان قابلا للنمو، والمهم جدا أنه تنامى ويستمر فى التنامى فى أوروبا الغربية، وكذلك وخاصةً فى قلب الولايات المتحدة، السند الأول لإسرائيل ونافخة الروح فيها منذ نشأتها. هذا هو التحوُّر فى القضية الفلسطينية.
أى عملية لتسوية القضية الفلسطينية لن يقف منها الشعب فى فلسطين وحده بعد الآن. فاعلون سياسيون واجتماعيون سينخرطون فيها لمساندة الشعب الفلسطينى يرفدونه بقوتهم فى مجتمع كل منهم. سيحدث تقدم وتراجع. بعبارة أخرى لن يكون التقدم خطيا ولكن محصلته ستكون اتجاها إلى أعلى.
إسرائيل ضيعت على نفسها فرصة الوصول إلى تسوية يقبلها الشعب الفلسطينى عندما كانت فى ذروة قوتها بالنسبة إليه.
التحوُّر فى القضية فى صالح الشعب الفلسطينى.
أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved