مجتمعات النصف نصف

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 29 مايو 2022 - 8:20 م بتوقيت القاهرة

كثير من الكلمات نحفظها وأحيانا نرددها ويضعها البعض على مواقعهم المتعددة فى وسائل التواصل الاجتماعى، فخورين بها أو ربما ليعلنوا أنها تمثلهم أو هكذا يبدو للمتلقى. ولكن أن تضع عبارة وتقوم بعكسها فهنا يبدو الأمر موضعا للسخرية، لا بين المتابعين لك ولكن حتى المقربين العارفين بك. رغم ذلك يستمر كثيرون فى نشر «الكليشهات» أو يرددون ما يقال وكأنهم مؤمنون به ثم يمضون كما هم أكثر بعدا مما يقولون وينصحون به الآخرين.
• • •
هذا أكثر الأمراض انتشارا، وهو الأخطر من جدرى القرود وإنفلونزا الضفادع!!! هو حقيقة مرض اجتماعى منتشر حتى الخوف من الإصابة به فقط عبر متابعة البعض على التويتر أو الانستجرام أو الفيسبوك. وهم فى ذلك كما المسئولين الدوليين والمحليى «الصنع» والولادة، حيث يرددون صباحا ومساء وعلى صفحات الجرائد والمحطات وكل وسائل الاتصال رسائل تحمل قيم الحق والعدالة والمساواة.. ووو. كثيرة هى تلك المعايير التى فقدت قيمتها عندما تحولت إلى مادة فى الدبلوماسية والأحاديث الدبلوماسية الممجوجة.
• • •
يردد ذاك المسئول الدولى أن مشاركة المرأة أساسا فى أى عملية للبناء خاصة بعد الحروب والنزاعات، فيسقط السؤال عليه كالصاعقة «وكيف وضع النساء فى فريقك»، يتلعثم بعض الشىء ثم يردد بالطبع بالطبع انظروا حولى وحولكم.. يسود بعض الصمت لأن الأعين تبحث عن النساء فى الفريق حتى يطلب هو منهن أن يقفن ليثبت لكل الحضور أنه يفعل ما يقول حقا حقا. وفجأة تقف النساء الجالسات فى الأصفف الخلفية بينما يتقدمهن رجال خلف رجال خلف رجال بيض!
• • •
يتنفس هو قبل الحضور الصعداء عندما يكسر أحدهم الصمت المغلف بكثير من الأسئلة، فيعيد النقاش أو الحوار إلى ما كان عليه من برودة شديدة. فالروتين لا يصيب الحياة فقط، بل يتحول إلى روتين للأحاديث والكلمات التى هى جزء من «الموضة»، أليست كلمة تنمر هى موضة هذه المرحلة أو «تمكين النساء» التى تأتى من أكثر الرجال والنساء قلة فى الإيمان بدور النساء فى كل المجتمعات. ألم تتساو المجتمعات فى عدائها للمرأة ولو القوانين والتشريعات التى دفعت كثير من النساء والرجال أيضا حياتهم ثمنا لها، لولاها لعاد البعض لوأد البنات أو على الأقل تمنى ذلك وهو يطيل المحاضرة عن الدور الهام للنساء فى بناء مجتمعاتهن الصغيرة والكبيرة.
• • •
أكثر تلك الشعارات إثارة هى «النساء نصف المجتمع» أو «الأم مدرسة» وغيرها التى تحفظ للأطفال فى المدارس بينما يتصرف المربون بشكل مغاير تماما، فلا النساء نصف ولا ربع المجتمع عندما يأتى الوقت لاتخاذ القرارات الحاسمة على مستوى العائلة أو المجتمع أو الدولة أو العالم. ولا هى مدرسة بل هى تابعة أو هكذا يراد لها حتى تثبت نفسها كالبرىء الذى يجرمونه حتى يثبت براءته!
• • •
مدهشة المجتمعات التى صرفت وتصرف الملايين بل البلايين من الدولارات واليورو والدنانير والدراهم والجنيهات فيما يسمى مشاريع لتعليم وتمكين وتعزيز دور النساء فى المجتمعات. ما هى إلا أيام من بعد رحيل أو انتهاء المشروع ويعود الحال على ما كان عليه، ألا ترون ما يحدث فى أفغانستان التى صرفت الدول الأوروبية مبالغ طائلة لتعزيز دور المرأة الأفغانية التى مطلوب منها اليوم من قبل طالبان أن تتنقب وهى تقرأ نشرة الأخبار وألا تتعلم وغيرهما من الردة التى تبدو مذهلة أو ربما تتطلب مراجعة هذه الدول المانحة لبرامجها وتعاملها مع ما يسمى بمنظمات المجتمع المدنى المستقلة فى مجتمعات تابعة بأكملها، كيف يكون للجمعيات استقلالها بالله عليكم؟
• • •
كلها كليشيهات أو أنصاف مواقف أو حتى أنصاف حلول أو ترقيع للأوضاع حتى مسميات أو شعارات لأنها هى أيضا أصبحت مهنة يمارسها البعض بإتقان شديد.. يقول لى ذاك الصديق إن مشكلة البعض من اليساريين فى مجتمعاتنا أنهم وأنهن ينظرون للعمل كأنه رسالة وهو فى الواقع ما هو إلا وظيفة عليهم أن يمتهنوها ويتقنوا امتهانها فقط وأن يتركوا ما تعلموه من لعب الدور فى بناء المجتمعات الحرة التى يتساوى فيها البشر كمواطنين لا كعبيد أو رعاة. يذكرها الصديق أنه هو وقع فى نفس ذاك الخطأ، فماذا حصل معه ها هو يأخذ إجازة دون مرتب ويبتعد عن الوظيفة والمدينة والناس لينعزل بعض الشىء ويعيد حساباته مع نفسه أولا أو ربما مع مجتمع خاص وعام يحترف النفاق.
• • •
يقول مظفر الذى لم تجف تربته بعد،
«أيقتلك البرد؟
أنا.. يقتلنى نصف الدفء
ونصف الموقف أكثر...

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved