القوى الوسيطة.. لحظة مصر

عمرو حمزاوي
عمرو حمزاوي

آخر تحديث: الجمعة 29 مايو 2026 - 5:20 م بتوقيت القاهرة

تعيش العلاقات الدولية اليوم لحظة انتقالية فارقة تتراجع فيها يقينيات النظام العالمى الذى تشكّل بعد الحرب الباردة، وتظهر فى المقابل معادلات جديدة تفرضها تحولات موازين القوة وتغير أولويات الفاعلين الدوليين. وفى قلب هذه اللحظة تبرز أهمية القوى الوسيطة التى لا تعتمد على الهيمنة العسكرية أو أدوات الردع الخشنة وحدها، وإنما تستند إلى الدبلوماسية النشطة، والحلول السلمية للصراعات، والتعاون متعدد الأطراف، والقدرة على بناء الجسور بين القوى الكبرى والأطراف الإقليمية المتنافسة. فالعالم الذى يتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية لم يعد يحتمل منطق الاستقطاب الحاد أو سياسات الإملاء، بل بات فى حاجة إلى قوى قادرة على التهدئة والتوازن وإدارة المصالح المتعارضة دون الانزلاق إلى الحروب المفتوحة أو الفوضى الممتدة.

• • •

ويأتى هذا التحول فى لحظة تتراجع فيها الولايات المتحدة نسبيًا عن أدوارها التقليدية تجاه حلفائها فى أوروبا وآسيا، سواء بسبب أولوياتها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية أو نتيجة صعود تيارات سياسية ترى أن واشنطن تحملت لعقود الكلفة الكبرى للتحالفات الدولية دون عوائد متناسبة. غير أن هذا الادعاء الأمريكى يحمل قدرًا كبيرًا من عدم الدقة، لأن الولايات المتحدة لم تكن فى يوم من الأيام قوة خيرية تدير تحالفاتها مجانًا أو تتحمل أعباءها دون مقابل. فالنظام التحالفى الأمريكى فى أوروبا وآسيا وفّر لواشنطن النفوذ السياسى والعسكرى والاقتصادى الأوسع فى التاريخ المعاصر، وأتاح لها السيطرة على طرق التجارة العالمية، وتثبيت هيمنة الدولار، وقيادة المؤسسات الدولية، والاستفادة من الأسواق والتكنولوجيا والتحالفات الأمنية بصورة كرّست تفوقها العالمى لعقود طويلة.

إلا أن الانكفاء الأمريكى النسبى، أو على الأقل إعادة تعريف الالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، خلق فراغات استراتيجية فى أقاليم متعددة، وأعاد طرح أسئلة الأمن والاستقرار الإقليميين بصورة أكثر حدة. وفى ظل هذه الفراغات برزت نزعات التوسع واستخدام القوة العسكرية لدى بعض القوى الإقليمية والدولية. فروسيا، على سبيل المثال، اختارت منذ حرب أوكرانيا توظيف أدواتها العسكرية بصورة مباشرة لإعادة تشكيل محيطها الإقليمى وفرض وقائع جيوسياسية جديدة بالقوة المسلحة. وفى الشرق الأوسط، تبدو إسرائيل هى الأخرى منخرطة فى سياسات تعتمد بصورة متزايدة على التفوق العسكرى والأمنى، وعلى استخدام القوة المفرطة فى التعامل مع القضية الفلسطينية ومع البيئة الإقليمية المحيطة بها، بما يفاقم من احتمالات عدم الاستقرار ويفتح المجال أمام دورات جديدة من العنف والصراع.

هذه التطورات تؤكد أن الاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها لا ينتج استقرارًا مستدامًا، وأن التفوق العسكرى مهما بلغ حجمه لا يستطيع بمفرده أن يفرض تسويات سياسية قابلة للحياة أو أن ينهى جذور الأزمات والصراعات. فالحروب الحديثة، من أوكرانيا إلى غزة، أثبتت أن القوة العسكرية تستطيع إلحاق الدمار، لكنها عاجزة عن بناء السلام أو خلق الشرعية السياسية أو ضمان الأمن طويل الأمد. ولهذا تحديدًا تتقدم القوى الوسيطة إلى الواجهة باعتبارها قوى تمتلك القدرة على الجمع بين المصالح المتعارضة، وعلى بناء مسارات تفاوضية، وعلى توظيف المؤسسات متعددة الأطراف لتخفيف التوترات الإقليمية والدولية.

والقوى الوسيطة ليست بالضرورة قوى عظمى من حيث القدرات العسكرية أو الاقتصادية، لكنها دول تمتلك مزيجًا من الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية يتيح لها لعب أدوار الوساطة وصناعة التوازنات. وهى عادة دول تحافظ على شبكات علاقات متنوعة مع القوى الكبرى المختلفة، ولا تنخرط بصورة كلية فى محاور الاستقطاب الحاد، بل تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية بما يحفظ استقلال قرارها السياسى ويمنحها القدرة على الحركة والمبادرة.

• • •

ومن هذه الزاوية تحديدًا تبدو اللحظة الراهنة لحظة مهمة للغاية للسياسة الخارجية المصرية. فمصر تمتلك تاريخًا طويلًا من العمل الدبلوماسى الإقليمى والدولى، كما تمتلك موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا يجعلها حاضرة بصورة مباشرة فى ملفات الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط وشرق المتوسط والبحر الأحمر والقارة الإفريقية. والأهم من ذلك أن القاهرة تملك شبكة علاقات متوازنة نسبيًا مع قوى دولية وإقليمية متعددة، وهو ما يتيح لها أن تتحرك بوصفها قوة وسيطة قادرة على الحوار مع أطراف متعارضة ومتباينة.

فالعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة تظل أحد أعمدة السياسة الخارجية المصرية، ليس فقط بحكم عقود من التعاون العسكرى والسياسى والاقتصادى، وإنما أيضًا بسبب أهمية الدور الأمريكى فى ملفات الأمن الإقليمى وفى المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية. وفى الوقت ذاته، نجحت مصر خلال السنوات الماضية فى توسيع هامش حركتها الدولية عبر الانفتاح على الصين وروسيا، سواء فى المجالات الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية، دون أن يتحول هذا الانفتاح إلى قطيعة مع الغرب أو إلى تموضع كامل داخل محاور دولية مغلقة. وهذه القدرة على تنويع العلاقات الدولية تمنح القاهرة مساحة مهمة للحركة فى عالم يتجه نحو التعددية القطبية.

كذلك تمتلك مصر شبكة علاقات قوية مع الدول العربية المؤثرة، وفى مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، وهى علاقات تتجاوز البعد الثنائى إلى إدراك مشترك لأهمية الحفاظ على استقرار الإقليم العربى فى مواجهة التهديدات الأمنية والسياسية والاقتصادية. كما أن الانفتاح المصرى المتزايد على تركيا خلال الأعوام الأخيرة يعكس إدراكًا متبادلًا بأن التنافس الإقليمى الحاد لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن الحوار والتفاهم بين القوى الإقليمية الكبرى يظل شرطًا ضروريًا لاستقرار الشرق الأوسط.

غير أن نجاح مصر فى أداء دور القوة الوسيطة لا ينفصل عن قدرتها على حماية أمنها القومى بمختلف مكوناته وفى دوائر جوارها المباشر. فالقضية الفلسطينية تظل فى قلب الأمن القومى المصرى، ليس فقط بحكم الجغرافيا والتاريخ، وإنما أيضًا لأن استمرار الحرب والعنف وانسداد الأفق السياسى بين الفلسطينيين والإسرائيليين يحمل تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار فى سيناء وعلى مجمل البيئة الإقليمية المحيطة بمصر. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى استمرار الدور المصرى فى الوساطة ووقف إطلاق النار والدفع نحو حلول سياسية تعيد الاعتبار لفكرة التسوية العادلة والشاملة.

وفى ليبيا، لا تزال مصر معنية بصورة مباشرة بمنع انهيار الدولة الوطنية ومنع تمدد الميليشيات والتنظيمات المسلحة والفوضى الأمنية إلى حدودها الغربية. ولذلك فإن المقاربة المصرية القائمة على دعم المؤسسات الوطنية الليبية والسعى إلى التسويات السياسية تبدو جزءًا من رؤية أوسع تقوم على أن استقرار الدول الوطنية هو المدخل الأساسى لحماية الأمن الإقليمى.

أما فى السودان، فإن ما يجرى من حرب أهلية وصراع على السلطة يفرض تحديات هائلة على مصر، سواء من زاوية الأمن الحدودى أو تدفقات اللاجئين أو تهديد استقرار وادى النيل بأكمله. وهنا أيضًا تبدو الحاجة إلى دور دبلوماسى مصرى نشط يعمل مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة من أجل الدفع نحو وقف الحرب والحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها.

ويمتد مفهوم الأمن القومى المصرى كذلك إلى الممرات المائية الاستراتيجية، وفى مقدمتها قناة السويس وجنوب البحر الأحمر. فهذه الممرات ليست فقط شرايين حيوية للاقتصاد المصرى، وإنما تمثل أيضًا جزءًا أساسيًا من حركة التجارة والطاقة العالمية. ولذلك فإن تصاعد التوترات الأمنية فى البحر الأحمر أو تهديد حرية الملاحة الدولية يحمل انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمى وعلى مكانة مصر الاستراتيجية.

وتظل قضية مياه النيل والعلاقة مع إثيوبيا من أكثر ملفات الأمن القومى المصرى حساسية وتعقيدًا. فالمياه بالنسبة لمصر ليست مجرد مورد اقتصادى، وإنما قضية وجودية ترتبط بحياة المجتمع واستقراره. ومن هنا فإن المقاربة المصرية التى تجمع بين التفاوض والدبلوماسية والعمل متعدد الأطراف والسعى إلى الحلول القانونية والسياسية تبدو تعبيرًا واضحًا عن فلسفة القوة الوسيطة التى تدرك أهمية تجنب الصدامات المفتوحة، لكنها فى الوقت نفسه تتمسك بحقوقها ومصالحها الحيوية.

• • •

إن العالم الراهن لا يحتاج إلى مزيد من القوى التى تتحدث بلغة الهيمنة والقوة العسكرية وحدها، بقدر ما يحتاج إلى دول قادرة على بناء التوازنات وصناعة التسويات وإعادة الاعتبار للدبلوماسية والتعاون متعدد الأطراف. وفى هذا السياق، تمتلك مصر فرصة حقيقية لتعزيز دورها الإقليمى والدولى بوصفها قوة وسيطة مسئولة تجمع بين حماية مصالحها الوطنية والانخراط الإيجابى فى جهود تحقيق الاستقرار الإقليمى والدولى. فالقوة فى القرن الحادى والعشرين لم تعد تقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية، وإنما أيضًا بالقدرة على بناء الشراكات، وإدارة التناقضات، وتقديم المبادرات السياسية القادرة على منع الحروب واحتواء الأزمات وصناعة السلام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved