فى الحَظِّ والنَّحس
بسمة عبد العزيز
آخر تحديث:
الجمعة 29 مايو 2026 - 5:20 م
بتوقيت القاهرة
نزلت الشَّابة عن الرصيف، قبضت على يدّ زميلتها المتوترة، ثم قفزت بها إلى نهر الطريق دون حسابات كثيرة. أطلقت إحدى العربات سرينتها وانحرفت أخرى بفضل مهارة سائقها، وخفضت ثالثة سرعتها باستخدام عنيف للمكابح؛ بينما تفادتهما دراجة نارية على متنها أربعة أشخاص، وأخيرًا حالف الحظ المرأتين فوصلتا بسلام إلى البرّ المقابل؛ لينطبق عليهما المثل الشعبيّ القائل: "إدينى عمر وارمينى البحر".
• • •
قد يكفُل الحظ الحَسَن لصاحبه تجاوزَ المهالِك مرَّة؛ لكن المثلَ يقول "مش كلّ مرَّة تسلم الجرة"، وقد صارت شوارعنا مصيدةً يومية منذ فترة، يتحرك الناسُ على أقدامهم فيها وهم يتمنون السَّلامة، يحاولون انتقاءَ اللحظة المناسبة للعبور الخَطِر؛ لكن اتساعَ المسافة يُزيد من فُرَص الحوادثِ المُميتة ويتجاوَز فى كثير الأحيان احتمالات النجاة.
• • •
يؤكد المثلُ الشعبيّ أهميةَ الحَظَّ، وأفضليته على غيره من العوامل المؤثرة فى حياة الإنسان: "قيراطُ حظّ ولا فدان شطارة"، والشاهد أن الشَّخصَ الماهر قد يخونه التوفيق؛ فلا يُصيبُ من النجاح ما يأمل، أما المَحظوظ فلا حاجة به للمهارة؛ إذ يتيسَّر أمره مهما كانت خيبتُه ظاهرة. فى سياق مشابه تأتى الحِكمةُ العربيَّة: "كفُّ بختٍ خيرٌّ من كرّ عِلم"، والمقولتان على طرافتهما مُحبِطتان؛ إذ تقللان من شأن المعرفة والبراعة والإجادة، لصالح ما لا يد للإنسان فيه ولا تعريف واضح له، وفى شخصية "محظوظ" بمجلة "ميكي" نموذج طريف دال، وفى نسبة لا بأس بها من مباريات كرة القدم، ما يعكس أيضًا هذا المعنى؛ حيث يبذلُ فريقٌ جلَّ جهده ويقدم مُستوى عاليَ من الأداءِ والحرفية؛ لكنه يخسر وسط ذهول الجماهير ويقال حينها إنه لم يكن مُوفقًا.
• • •
تُعرِّف المأثوراتُ سيءَ الحَظ بأنه مَن: "يلاقى العَظم فى الكِرشة". الكرشة جزءٌ من الجهاز الهضمى فى البهائم، يستمتع بأكلها بعضُ الناس، وهى خالية بتعريفها من أيّ أنسجة صَلبة؛ فإن تعثر الآكلُ فيما لم يتوقَّع؛ كان السَّبب حظه التعس. يُستخدَم المأثور عندما يقع أمرٌ استثنائى سيءٌ، يخالف الثابت المعتاد، وحين يصبح عادة متكررة يقال عن صاحبه: "بخته مايل"، وللتأكيد على الموقف يُقال: "المَنحوس مَنحوس ولو علقوا على راسه فانوس"؛ والمعنى ألا فائدة من مطاردة الحظوظ أو محاولة استجلابها بأى وسيلة.
• • •
"حظك اليوم" باب شبه ثابت فى عدد من الصحف، يعتمد على تصنيف الناس فى أبراج تبعًا لتاريخ الميلاد. تتكرر العبارات وتدور من برج لآخر، حتى يكاد متابعها يحفظها؛ بل وقد يتنبأ بالعبارة التى ستكون اليوم من نصيبه. فى أيام الطفولة كنا نتباهى بارتداء الحظاظة؛ وهى سوار يطوق المعصم ويتفاءل به كثيرون، وفى سياق التفاؤل أيضًا يحتفظ بعض الناس بأرقام مُحدَّدة؛ يعدونها علامة الحظ والاستبشار التى إن ظهرت فى اللحظة المناسبة؛ تيقنوا من نجاح ما يقومون به. طالما التففنا صغارًا وكبارًا حول لعبة بنك الحظ؛ إلى ابتلعتنا مشاغل الحياة وأبعدتنا عن اللعب نواكبها، ولم يتبق منها سوى ذكريات سعيدة هانئة، نستدعيها من حين لأخر هربًا من بؤس واقعنا.
• • •
يتمتع الشخص الموصوف بأن "حظه فى رجليه" بحسن الطالع المُستدام، أينما حطَّ رحالَه وَجَد ما يسُره ويحقق له الفائدة، والناس يلحظون أمره ويغبطونه، وأحيانًا ما يغتاظون ويتمنون لو كانوا مكانه. إذا وصل الزوج على مائدة عامرة قيل: "حماتك بتحبك"؛ والقصد أنه محظوظ باختيار اللحظة المناسبة، والمثل لا يقال فى المقابل للزوجة، فالأعرافُ المستقرة تقضى بأن يكون الطهوُ وتجهيزُ الطعام وإعداد الموائد من عملها، وغالبًا ما تترقب "حماتها" أداءها وتتحفز لانتقاده.
• • •
يقال إن "الدنيا حظوظ" كنوع من المواساة؛ متى انعقدت مقارنة بين مَن تبوأ مركزًا عاليًا، ومَن خسفت به الحياةُ الأرضَ، والغالب أن يكون كلاهما على درجة جيدة من التعليم والاجتهاد، لا يفسر اختلاف المصائر ما حصلا من شهادات أو مراتب؛ إنما هو واقع الحال التى لا تتمتع دومًا بالعدالة الكاملة والإنصاف.
• • •
إذا سَرَد الواحد ما أضحك الجالسين معه قالوا: "ربنا يحظك" وهو دعاء بأن يمتع الربَّ هذا الشخص الذى تسبَّب فى إسعادهم؛ بالخير والحظوظ الوفيرة، وفى مواقف متباينة قد يغبطون آخرًا فيقولون إن "حظه من السماء" والمعنى أنه أصاب ما يشبه المعجزة التى لا تنجبها الأرض، ولا شك أن الحظ القادم من عند الرب لا يمكن الاعتراض عليه.
• • •
إن أفلح امرؤ غير مؤهل فى تحقيق ما أعجز الأكثر منه علمًا وتأهيلًا، علق الناس مغتاظين: "حظ المبتدئين"، والقصد ألا فضل له ولا كرامة فيما أنجز؛ إنما هى مصادفة تأتى مرة واحدة لمن لا خبرة له بالأمور ولا دراية، أما "حظ العوالم"؛ فتعبير شائع يحمل ما لا يخفى من التعريض؛ هو حظ فائق ولا شك؛ لكنه غير مَشروع ولا مُستحَق، وفى النية أيضًا أنه غير مُتمتع بالاحترام الكافي، ولا يخفى أن العوالم هن الراقصات أصحاب الباع، القادرات على إدارة أعمالهن من واقع الخبرة الأصيلة.
• • •
يقولُ الشاعر السودانيُّ إدريس محمد جماع: "إن حظى كدقيق فوق شوك نثروه .. ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه". البيتُ قاسٍ فى الوَصف لا يترك مساحة لتحسُّن الأحوال أو انصلاحها، بل يرسم مشهدًا مستحيلًا. لم أمر بأشعار إدريس جماع من قبل؛ لكنى ما إن عثرت على هذا البيت حتى راقنى المجاز وأعجبتنى الصورة، فضمَمته إلى الأبيات التى استوطنت الذاكرة من قديم.