موسم الاحتفال بالاستثمار.. فى التعليم

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 29 يونيو 2022 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

أحب كثيرا موسم التخرج من المدارس والجامعات، أحب احتفال الأولاد بنجاحهم وفخر الأهل بأبنائهم وبناتهم. أتابع كل الصور الاحتفالية على مواقع التواصل الاجتماعى وأتمعن فى وجوه شباب وشابات أرى فيها ملامح صديقاتى وأصدقائى من الأهالى كما عرفتهم فى عمر الأولاد اليوم.
• • •
من ضمن باقة الحقوق الأساسية التى تتيح لأى إنسان الفرصة فى حياة كريمة، أظن أن الحق فى التعليم من أهمها. فى اللغة الإنجليزية يستخدم مصطلح «تعليم ذو جودة» للدلالة على أن الحق هو فى تعليم يهيئ الفرد للحياة المهنية وإمكانية التعامل مع العالم والاعتماد على الذات إن شاء ــ أو على الأقل أن يكون للفرد فرصة الاعتماد على الذات والمساهمة فى الاقتصاد الوطنى سواء فى القطاع العام أو الخاص.
• • •
ما سبق هو نظرية الازدهار الاقتصادى والاجتماعى. أما ما حولى فهو غالبا مختلف وأقل إبهارا فتفيد الإحصائيات فى المنطقة العربية بأن مستوى البطالة عال وفرص العمل للشباب محدودة، وطموحهم كثيرا ما يرتطم بالواقع لتتكسر أحلامهم فيحاولون الخروج من المنطقة بأى طريقة.
ما سبق هو نظرية اللجوء غير الشرعى من بلاد الشرق الأوسط إلى أوروبا. وما حولى يؤكدها.
• • •
أنظر إلى صور التخرج فأقفز داخل أحلام الشباب: شهادة، طريق ينتقل بهم وبهن من مرحلة إلى أخرى إن نجحوا، فرص عمل عليهم أن يقنصوها ويبرهنوا فيها على كفاءتهم، ثم عبور إلى مرحلة جديدة. يتخلل ذلك تطورات فى حياتهم الشخصية، بينما يدخل البياض على شعرهم والخيوط حول عينيهم.
• • •
ما سبق هو حلم مسبق التغليف، مجسم صغير لحياة يسهل التنبؤ به. قد تختلف التفاصيل فيفضل أحدهم طريقا أقل تنظيما أو تدخل على هذا الخط أحداث غير متوقعة شخصية أو عامة، لكن لنقل إن ثمة خطوطا عامة لصورة نمطية تكون حاضرة يوم التخرج من المدرسة أو من الجامعة لدى الكثيرين.
• • •
أعود إلى الصور، خصوصا وأن العالم الافتراضى يضج بكل مراحل التخرج، فيبدو أن التخرج من الحضانة (أى المرحلة التمهيدية) أصبح له أيضا احتفال. أتساءل عن شعور أطفال لا يحتفل بهم أحد، وآخرين لا يصلهم أصلا الحق بالتعليم. أكرر لنفسى أننى قد لا أستطيع أن أغير الصورة الكبرى كما تخيلت منذ سنوات، حين ظننت أن باستطاعة الأفراد أن يغيروا السياسات، كسياسة التعليم مثلا أو أن يؤثروا فيها. لكن باستطاعتى أن أساهم بتعليم فرد قد يحتاج إلى مساندة صغيرة تفتح أمامه إمكانية أن يحلم حتى بغد أفضل.
• • •
أنا لم أعد ساذجة كما كنت فى أول شبابى حين اعتقدت أن الديمقراطية تعنى التساوى التام بين الناس. أنا فهمت أن فى الدول الديمقراطية هناك فرصا للتعليم وللعمل أوفر وليست حكرا على دوائر اقتصادية واجتماعية محددة، حتى لو أن كثيرا من الفرص تزداد بفضل علاقات أو تزكية ترتكز على قرابة أو صداقة أو مصالح سياسية أو اقتصادية مشتركة. بغض النظر عن عدم وجود مساواة كاملة فى أى نظام، فإن فرصة الحصول على تعليم ذى جودة قطعا يعطى صاحبه فرصة التقدم فى سوق العمل فى بلد فيه نوع من تكافؤ الفرص.
• • •
لذا حين أنظر إلى صور الأولاد والبنات يوم تخرجهم، أعرف أن فى وجه الأهل كثيرا من الفخر، فهم استثمروا وها هم ينتظرون ما سيعود على أولادهم من جراء استثمارهم. هل ينجح الجميع؟ طبعا لا. هل من يفشل مسئول عن فشله؟ إلى حد ما، خصوصا من تم الاستثمار فيهم. هل حكمى قاسٍ؟ نعم، نوعا ما. هل تدخل الظروف الخارجية على مخطط استثمار فتدمره؟ وارد. لكن لنقل إن التعليم يعطى فرصة أكبر حتى لمن تدمرت حياتهم بسبب أحداث خارجة عن إرادتهم. لذا فأنا أرى أن من يتم تجريده من الحق فى التعليم، وهنا أقصد تعليما ذا جودة، فالفرص أمامهم قليلة ومن الصعب التغلب على ظروفهم الصعبة مهما حاولوا.
• • •
أظن أنه من الصعب النهوض بمجتمع مقومات تعليمه منخفضة، كما هو مجحف أن نلوم المجتمع أو الأفراد على سوء تعليمهم إن كان قطاع التعليم فى الدولة متدنيا. كثيرا ما أرى تعليقات حول جهل الناس والمجتمعات والشعوب وأرى فيها لوما للأفراد أراها فى غير مكانها: إن لم تخصص الدول ميزانية واهتماما واستثمارا فى البحث العملى والتشبيك مع المؤسسات التعليمية المتقدمة، فكيف نلوم المتلقى على عدم تلقيه ما يليق بالعقل البشرى وما يليق بخطط تريدها الدول لازدهار مجتمعاتها؟
• • •
أنا أفرح مع كل صورة تظهر لى وأشعر بيد أبى حين أدخلنى إلى الصف التحضيرى فى المدرسة. كنت ألبس فستانا برتقاليا يومها وجلست على طاولة صغيرة مع أطفال آخرين، بينما تحدث هو إلى المعلمة فى لغة لم أكن أفهمها. نظرت إليه وإلى الأطفال وأخرجت بسكوتة من جيبى أخذتها من أمى قبل أن أخرج. اليوم أمسكت بيد ابنتى وأنا أخرج معها من المدرسة مع انتهاء هذا العام الدراسى وفقدت بوصلتى قليلا حين نظرت إليها فرأيت طفلة فى فستان برتقالى تخرج من مدرستها فى يومها الأول منذ عقود وبلاد عدة. مبروك لكل من تخرج هذه السنة.

كاتبة سورية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved