التسوية الدائمة والسلام الشامل
مصطفى الفقي
آخر تحديث:
الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
كلاهما تعبير نظرى قد لا يتحقق أبدا فاستقراء تاريخ الصراعات الدولية والخلافات الإقليمية يؤكد لنا أن التسوية الدائمة طرح مثالى لا وجود له فى الواقع، كما أن السلام الشامل حالة نظرية تتمثل فيها «يوتوبيا» ملائكية لعلاقات بعيدة عن تلك التى شهدناها بين البشر، فكل الحروب الكبرى والنزاعات المسلحة انتهت فى الغالب بمائدة مفاوضات للوصول إلى حل فى منتصف الطريق خصوصا إذا كان كل طرف يتصور أو يتوهم أنه هو المنتصر وأن الطرف الآخر عليه أن يرفع رايات الاستسلام، وما نراه حاليا من مشهد واسع يؤكد حقيقة مؤداها أن النصر شعور ذاتى وأن الهزيمة انهيار داخلى وسوف يظل الصراع بين قابيل وهابيل ممتدا مع تاريخ البشرية منذ بدايته المعروفة.
إن ما نشهده هذه الأيام من شد وجذب وصعود وهبوط فى بورصة الصدام بين إيران فى جانب والولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها المدللة إسرائيل سوف تظل علامة فارقة فى صراع القوى وغياب التوازن بين الأطراف فى كل الصراعات، فطهران ترى -ومعها بعض مؤيديها- أنها حققت انتصارا نسبيا بالصمود الطويل لعدة شهور والقتال الدامى دون تراجع رغم اعترافنا واعترافهم بحجم الخسائر الضخمة وما حل بإيران من ضربات قاتلة أنهت حياة المرشد العام بعد دقائق من بداية الحرب، كذلك فإن إيران تتميز بأسلوب شديد الالتواء فى التفاوض فهى لا تعترف بالحقائق ولكنها تتمسك بالأوهام وقد وقعت طهران فى خطيئة كبرى مع بداية العمليات العسكرية حين وجهت سهامها إلى صدور جيرانها العرب رفاق التاريخ وشركاء الحضارة بدلا من أن تسعى إليهم طلبا للوساطة المتوازنة والرؤية العادلة فكانت أن أطلقت قذائفها على دول الخليج العربى دون مبرر مفهوم أو إدراك حقيقى لمغزى ما تسعى إليه طهران، وكأنما هى تريد تعويض سقوط الساحات بمفهومها العقائدى وتركيبتها الخاصة بعملية اجتياح للجيران على نحو غير مسبوق وليست له دلالات فى المواجهات التاريخية المعروفة.
كما أن إيران تراوغ فى صراع مع الوقت بمسألة الخيار العسكرى النووى ولا تعطى ردا واضحا ولكنها تجيد التهرب من الأسئلة الصعبة بإجابات مبهمة وآراء متداخلة، ولا بد من أن أعترف أن مسألة مضيق هرمز كانت نجدة سماوية لحكم الملالى فى إيران، ولقد تيقن الجميع أن ذلك الممر المائى قد تحول إلى كارت سياسى واستراتيجى تمارس به إيران ضغطا على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بل وعلى المجتمع الدولى كله شريك المصلحة والذى تتأثر أحواله اقتصاديا من الإغلاق لذلك الممر المائى أو إثارة الاضطرابات حول المرور فيه.
وهنا نعترف مرة أخرى بأن إيران نجحت فى توظيف حرية الملاحة لذلك الممر المائى للمضى فى الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية للخروج منها كرد فعل يساعدها على تحسين وضعها التفاوضى وإكسابها ميزة لم تكن مطروحة قبل القتال، أما الولايات المتحدة الأمريكية فهى تدرك على الجانب الآخر أنها قد حاصرت إيران بحريا كرد فعل لسياسة واشنطن التى تسعى إلى خنق الدولة الفارسية، كما أن وحدة الساحات التابعة لإيران لم تعد ببريقها الذى كان لها قبل الحرب على غزة أو ملاحقة عناصر حزب الله.. أقول إنه لم يعد لإيران ذلك النفوذ الذى تمتعت به حتى السابع من أكتوبر 2023، فلقد تغيرت الدنيا وتبدلت الأوضاع ودمرت غزة وتلقى حزب الله ضربات موجعة فى قيادته وقواعده وهو أمر لم يكن متوقعا فى ذلك الحيز الزمنى المحدود.
وعلى المستوى الدولى فإننا نرى أن العلاقات الأمريكية الأوروبية لن تعود كما كانت قبل الحرب بل سوف تظل مثار شد وجذب لسنوات قادمة إن لم يكن لعقود منها، ولقد اكتشف الأوروبيون أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة الأمريكية فى برامج الدفاع الغربى سواء فى إطار الأطلنطى أو فى خارجه هى تخيلات أكثر منها فى الحقائق كذلك فإن شرخا علنيا قد أصبح مشهدا مفتوحا أمام جميع الأطراف، ويكفى أن نتذكر الانتقادات العلنية التى وجهها الرئيس الأمريكى ترامب لرئيس وزراء إسرائيل بسبب ظهور الأخير فى محاولات مستميتة لإجهاض الاتفاق المبدئى الذى تم بين واشنطن وطهران.
ويتعين علينا أن نمعن النظر هنا لعدد من القضايا الرئيسية ذات الطابع الفكرى والجيوسياسى الذى ينعكس على طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى خصوصا فى إطار الصراعات الإقليمية التى حلت بديلا للحروب العالمية وإن كانت تؤدى إلى ذات النتيجة، فالحروب الموضعية بلغت من كثافة النيران وشدة المعارك ما يجعلنا نقول بلا تردد أنها حرب شاملة وقتال مستمر ويكفى أن نتأمل ساحة المعارك اليومية بين أوكرانيا وروسيا أو مظاهر الخراب التى يمارسها التنمر الإسرائيلى على قرى الجنوب اللبنانى لكى ندرك أننا أمام صورة بشعة ومرحلة دامية من الصراع الطويل لذلك يهمنى التركيز على النقاط الآتية:
أولا: إن العلاقات الدولية المعاصرة ليست محكومة بمعايير الشرعية الدولية أو حتى توازن القوى الظاهرة أمام كل الأطراف ولقد شهدنا فى العقود الأخيرة حروبا كانت فيها الولايات المتحدة الأمريكية هى القوة الضاربة بدءا من نهاية الحرب العالمية الثانية وصولا إلى محطات كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق ثم إيران، وذلك معناه ببساطة أن العالم محكوم بمعادلات معقدة وقوى صاعدة وأخرى هابطة ولكن الأمر المؤكد هو أن من يملكون القوة تنحاز إليهم الحقيقة وتترسخ لهم مظاهر الشرعية مهما كانت مؤشرات الحق ورايات العدل، فالقوة هى سيدة الموقف وهى الحكم الفاصل بين الأطراف.
ثانيا: إن الصراع فى مظهره سياسى واقتصادى بامتياز ولكنه فى جوهره عقائدى تاريخى لا يخلو من مسحة دينية وانتكاس حضارى أصبح مطروحا على الساحة أمام الجميع.
ثالثا: إن أزمات الطاقة والمياه وتغير المناخ وتلويث التربة تمثل هى وغيرها عوامل جانبية ضاغطة تدعو الأطراف إلى القلق وإلى مزيد من التوتر على امتداد أركان الدنيا الأربعة، فالمليارات الثمانية من البشر على كوكب الأرض تحتاج إلى مزيد من الموارد ولا تقف فى احتياجاتها عند حدود معينة.
رابعا: إن تصنيع السلاح وتجارته أصبح عاملا مؤثرا فى اقتصاديات الدول ومراكز القوة للتكتلات الإقليمية المعاصرة، ولا شك أن التفوق الأمريكى مرتبط بالتقدم فى تصنيع السلاح والتدريب عليه وتوظيفه على النحو الذى شهدناه فى المعارك الأخيرة.
خامسا: إن الأمر الذى لا مراء فيه هو أن الحرب الإعلامية تمارس دورا كبيرا فى تزييف الحقائق وتحويل الهزائم إلى انتصارات من أجل خلق صورة مطلوبة لدول معينة ونظم بذاتها، إننا أمام عالم جديد يتهيأ لثورة كبرى فى دنيا الذكاء الاصطناعى والقدرة الفائقة على توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة أهداف بذاتها وأغراض بعينها.
إن التسوية الدائمة والسلام الشامل كلاهما يأتى من عبارات براقة تستهوى القلوب وتسيطر على الأفئدة بينما الواقع مختلف تماما، فالتسوية الدائمة المستقرة أمر صعب المنال كما أن السلام الدائم حلم تعيش عليه الشعوب ونسى الجميع أن كل تسوية وكل سلام يرتبط بهما أسباب جديدة للتوتر وعوامل مختلفة للصراع، لذلك فإنه من الأجدر على المنظمات الدولية والمؤسسات العلمية بل والمراكز البحثية أن تنصرف جهودها لفهم ما هو قائم والتهيؤ لاستقبال ما هو قادم.
إننا نواجه عالما جديدا تتغير فيه الحقائق وتتبدل الأوضاع بحيث يصبح السلام الدائم حلما ضبابيا وتتحول التسوية الدائمة إلى هدنة زمنية لا تلبث أن تنهار مع العواصف القادمة والمشكلات المتجذرة بل والأزمات العابرة.. إنه عالم جديد يحتاج إلى رؤية مختلفة وقدرة على استشراف المستقبل وفك رموزه وفهم أبعاده.
نقلا عن إندبندنت عربية