واشنطن وطهران.. «ضرب أم شتيمة؟»

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 29 يونيو 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

ضربات متبادلة، مغلفة برسائل لاختبار النوايا، أعادت التوتر إلى الواجهة بعد أقل من عشرة أيام على توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية فى جنيف، التى نص بندها الأول، من بين 14 بندا، على وقف فورى ودائم للعمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، وعدم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها.


لكن الهدوء لم يدم طويلا، فمع عودة العمليات العسكرية المحدودة والمتدرجة، عادت أيضا تهديدات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بمحو إيران من «الوجود»، وهى التهديدات التى صاحبت اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران فى فبراير الماضى.


وجاء التصعيد الأخير عقب هجوم إيرانى على سفينة تجارية قرب مضيق هرمز، ردت عليه واشنطن بضربات استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيرة. ثم أدى استهداف ناقلة نفط ترفع علم بنما إلى توسيع دائرة المواجهة، بتنفيذ القوات الأمريكية جولة أوسع من الضربات، ردت عليها طهران بهجمات استهدفت الكويت والبحرين.


تبادل الهجمات، والذى جاء على طريقة: قليل من الضرب، وكثير من الاتهامات أو «الشتيمة» بشأن المسئول عن التصعيد، قوبل بتحركات إقليمية ودولية هدفت إلى احتواء التوتر وإعادة الأطراف إلى مسار التفاهم للتوصل إلى إتفاق نهائى خلال 60 يوما، وفقا للبند الثالث من مذكرة التفاهم.  


وبين تلويح ترامب بإكمال المهمة عسكريا، وتحذير وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى من أن أى تجاوزات لترتيبات مذكرة التفاهم المتعلقة بمضيق هرمز «ستزيد التوتر» على المستوى الإقليمى، نقلت تقارير إعلامية أمريكية عن مسئولين فى واشنطن أن الطرفين توصلا إلى تفاهم لوقف تبادل الهجمات، وسط توقعات بعقد اجتماع فى العاصمة القطرية الدوحة لبحث الأزمة المتصاعدة بشأن مضيق هرمز.


لكن يبقى السؤال الأهم: ما هو جوهر النزاع بشأن مضيق هرمز؟


تكمن الإجابة فى التباين الجوهرى بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإيرانية لطبيعة هذا الممر المائى الاستراتيجى، الذى يعبر من خلاله نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا. 


فمن ناحية، ترى الولايات المتحدة أن مضيق هرمز ممر مائى دولى يجب أن تبقى الملاحة فيه حرة ومفتوحة أمام جميع السفن التجارية والعسكرية، وفقًا لقواعد القانون البحرى الدولى ومبدأ حرية الملاحة.


أما إيران، فتنظر إلى المضيق باعتباره جزءا من بيئتها الأمنية والاستراتيجية، وتؤكد أن لها حقوقا سيادية وأمنية خاصة بحكم إشرافها على الضفة الشمالية للمضيق، وترفض أى وجود عسكرى أو ترتيبات بحرية تعتبرها تهديدا مباشرا لأمنها القومى ولتقليص نفوذها الإقليمى.


ومن هذا المنطلق، تضمن البند الخامس من مذكرة التفاهم التزاما إيرانيا ببذل أقصى الجهود لتأمين مرور السفن التجارية، دون رسوم إضافية، لمدة ستين يوما بين الخليج العربى وبحر عمان، على أن تفتح طهران حوارا مع سلطنة عمان والدول المطلة على الخليج بشأن ترتيبات الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية فى مضيق هرمز.


لكن الحقيقة أن الخلاف بشأن مضيق هرمز يتجاوز كثيرا مسألة السيطرة على بضعة كيلومترات من المياه، فالخلاف الجوهرى يدور حول سؤال أكبر وأكثر تعقيدا: من يملك حق تأمين وإدارة أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة فى العالم؟ هل هى الولايات المتحدة، التى ترفع لافتة القانون الدولى وحرية الملاحة؟ أم إيران، التى ترى نفسها القوة الإقليمية الأكثر تأثرا بما يجرى فى هذا الممر الحيوى؟


وفى موازاة أزمة مضيق هرمز، يبقى الملف اللبنانى، وما يرتبط به من ضغوط إسرائيلية وحسابات إقليمية، عنصرا مؤثرا فى فرص التوصل إلى اتفاق نهائى يضع حدا للحرب، وفقا لمذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، وهو ما يطرح سؤالا: هل نحن أمام خطوات جادة للخروج من مأزق الحرب، أم أن المسار الدبلوماسى لا يزال بعيدا عن إنتاج حلول حقيقية ومستدامة؟


فى الواقع، فإن جوهر الخلاف الأمريكى-الإيرانى الذى يهدد بعودة الحرب يتمثل فى صراع أوسع على النفوذ والأمن الإقليمى، فواشنطن تسعى إلى منع طهران من امتلاك قدرات عسكرية ونووية تعزز نفوذها الإقليمى، بينما ترى إيران أن العقوبات والضغوط السياسية والوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة يستهدف تقويض نظامها السياسى ودورها الاستراتيجى.


وفى الأخير.. وإن بدت فرص إحراز تقدم سريع فى تنفيذ التفاهمات الأمريكية-الإيرانية محدودة فى المدى القريب، بفعل تراكم الخلافات الأمنية والسياسية، فإن استمرار قنوات الاتصال بين الطرفين يبقى الباب مواربا أمام تسوية تدريجية، ويحول دون انزلاق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved