نسير على طرق غير معبدة نحو نظام إقليمى جديد
جميل مطر
آخر تحديث:
الأربعاء 29 يوليه 2026 - 8:10 م
بتوقيت القاهرة
عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر وقد بدا لى عنوانًا أدق ونصه كالآتى
«نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفى الغالب متخاصمة».
تراكمت أمامى التطورات فى الإقليم وتغيرت شخوص واختلت توازنات وانحسرت هيمنات لتستجد أخرى، ونتيجتها الحاجة لابتكار عنوان آخر هو التالى ولعله الأدق، «نسير فى الإقليم على طرق خطرة، كثيرًا ما ننحو جانبًا عند مفارقها ونتوقف طويلا، تهدينا فى السير كما فى التوقف خرائط لم نرسمها».
زيادة فى التحوط، وإمعانا فى احترام قواعد نظريات العلاقات الدولية، وإدراكًا أعمق لمدى التدهور الحادث فى نوعية وكثافة التفاعلات «الشريرة» التى طرأت على الإقليم «العربى» منذ أن استأنفت رحلة الكتابة فى هذا الموضوع، قررت الإبقاء على أول عنوان اخترته لهذا المقال.
• • •
شهد الجيل الذى انتمى إليه نهاية نظام توازن القوى بنشوب حرب عالمية. جرى فى هذه الحرب استخدام السلاح النووى لأول مرة بحجة أنه بدون استخدام هذا السلاح لما انتهت الحرب العالمية الثانية بالشكل الذى انتهت عليه ولا فى الوقت الذى انتهت فيه. انتهت على شكل نظام دولى ثنائى القطبية وفى وقت اكتملت فيه أو كادت تكتمل مقومات القوة والقيادة لكل قطب من القطبين على مجموعة حلفاء قبلوا طوعا أو قسرا الانسياق وراء إرادة وتسيير قوة عظمى.
شهد هذا الجيل أيضا تطورا مثيرا جرت تفاصيله على أرض تخصه وبين شعوب يهمه شأنها. فمن خلال مفاوضات الإنهاء على ذيول نظام توازن القوى سمحت الولايات المتحدة للدولتين الغربيتين الأكبر فى مجموعة فلول الاستعمار التقليدى، وهما بريطانيا «العظمى» وفرنسا، سمحت لهما بنقل بعض مقاليد الهيمنة الإمبراطورية من ميراث السلطة العثمانية إليهما. واكب هذا النقل تيار ناشئ فى بعض الأقطار العربية المستقلة حقيقة أو شكلا، وعددها فى ذلك الحين لا يزيد عن سبع، يعتنق أفراده ومنظماته ومختلف تشكيلاته فكرا قوميا تحت مسميات أو ظلال عروبية. هذا التيار، متدفقا ومهاجما تارة ومنسحبا أو محاصرا تارة أخرى، ظل مرافقا لصعود ما سمى بالنظام الإقليمى العربى إلى أن حانت مرحلة اختفائهما معا أو انسحابهما المطول.
• • •
قيل «كلام»، وصار يتردد، مفاده أن شكلًا ما أو أشكالًا متعددة لنظم إقليمية فى الشرق الأوسط جارٍ حاليًا الترويج لها. الشرق الأوسط حسب الخرائط الجيوسياسية الأحدث، أقصد به الإقليم الواقع جغرافيًا بين ليبيا غربًا وباكستان شرقًا، وبين سواحل قزوين شمالًا وسواحل بحر العرب جنوبًا. نسمع عن مشروعات نظام إقليمى «إبراهيمى» يستمد قوته من مزيج الدين والاسطورة وإرادة الدولة الأعظم، ونظام إقليمى تحت عنوان إسرائيل الكبرى، ونظام إقليمى نيلى، ونظام إقليمى لمجموعة الدول المتشاطئة البحر الأحمر، ونظام الهلال الخصيب مجددًا، ونظام الدول الإسلامية الشرق أوسطية، ونظام إقليمى خليجى.
• • •
إنه التعدد المبالغ فيه والمتعمد. تكوينات نظرية لا تستند فى الواقع لأساس أو شرعية. جميعها ظهرت أو ارتفع صوتها فى أعقاب ما ساد من أفكار أو سياسات تعلن ضمنًا أو صراحة نهاية النظام الإقليمى العربى. يسود اعتقاد، بعضه أو أكثره من فعل أو من تدبير فاعل، بأن النظام العربى يعانى منذ فترة غير قصيرة من تداعيات وتبعات انفراطات خطيرة تحدث على مستويين:
المستوى الأول هو الانفراطات الداخلية، أى التى تقع داخل عديد الدول المنضوية أساسًا تحت مظلة هذا النظام وربما بسبب ظروف نشأته وسبب وجوده وربما بسبب ما راح يبث من أفكار ويرسم من "مستقبلات". أخص بالذكر أحداث العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان وليبيا واليمن، وكلها حسب ما تيقنا وقعت تحت ضغط فاعل خارجى انتهز فرص ممارسات عنف وظلم وتجاوزات بغير حدود.
• • •
أما المستوى الثانى وأقصد به أعمال التمرد على قواعد وأخلاقيات النظام الإقليمى العربى وما يتصل بها من تطورات وتغيرات هيكلية أو تغيرات تتعلق بقناعات فكرية أو أيديولوجية أو حضارية، متعلق أيضًا بتطورات كانت فى الأصل بين الأسس التى قام عليها أو قام من أجل دعمها وحمايتها النظام الإقليمى العربى وتكويناته المؤسسية مثل جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة.
هذا المستوى متعلق كذلك بتغيرات من نوع النزعة القومية الجارفة كما حدث خلال الحروب مع إسرائيل وتصعيد إسرائيل لإجراءات العنف، وكما حدث ويحدث بدرجة أقل كعوامل ردع للحكومات العربية الآيلة للوقوع فى براثن الدعاوى الإبراهيمية. متعلق كذلك بالنزعة القومية المنسحبة والمنحسرة كما هو الحال فى الواقع الصعب الذى تعيشه فى الوقت الراهن هذه التكوينات المؤسسة للنظام الإقليمى العربى.
• • •
النظام الإقليمى لا ينشأ فى فراغ. ينشأ قويًا ومحدد الأهداف فى حضن نظام دولى قائم ومكتمل، وينشأ ضعيفًا فى ظل نظام دولى غير مكتمل النضوج. النظام العربى نشأ برعاية نظام فرعى من دولتين استعماريتين استغلتا نقص الدراية اللازمة من جانب الولايات المتحدة بقضايا المنطقة العربية وطموحاتها، وغياب الاهتمام من جانب الاتحاد السوفييتى، الطرف الثانى فى النظام الدولى الجديد. لم ينتظر البريطانيون والفرنسيون اكتمال تشكيل هذا النظام الدولى وأقدموا وحدهم على صنع نظام إقليمى جديد مستعينين فقط بتجربتهم الاستعمارية، وهى التجربة التى أثبتت فشلها بعد عشر سنوات فى أول صدام سياسى بين الدولتين من جهة وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى فى حرب السويس من جهة أخرى.
• • •
مرة أخرى نسمع من يردد مقولة إن بناء المؤسسات التكاملية شرط ضرورى وكافٍ لبناء نظام إقليمى فاعل تتكامل فيه الأجزاء وتذوب الفوارق وربما أفلح فى خلق، أو فى استعادة، الشعور بقومية مشتركة. قرأنا إنها نجحت فى الولايات المتحدة ولكن بتكلفة باهظة فى الأرواح واسترقاق الزنوج والحرب الأهلية ثم حروب أخرى فى أمريكا الجنوبية وفى العالم العربى. نعلم أيضا أن الأوروبيين استخدموها دروعًا لحماية أوطانهم ضد جيوش نابوليون وجيوش هتلر وجيوش بوتين. نتذكر كذلك، ونحن فى كامل وعينا، كيف ساهمت القومية فى شحذ الهمم العربية فى أنحاء كثيرة من العالم العربى للحصول على الاستقلال الوطنى، حتى تحقق فعلا.
• • •
غير خاف على أحد أن هذه التجربة، تجربة صنع نظام إقليمى عربى، ووجهت منذ بدايتها بتحديات بعضها مسلط عليها من أطراف فى داخل المنطقة العربية وأكثرها مخطط له من خارجها. إلا أننا يجب أن نعترف بأن النقص الشديد والمفاجئ فى عدد، ولا أقول مهارة، التكامليين العرب من سياسيين واقتصاديين وفنيين يقف وراء العجز البادى فى القدرة الذاتية العربية على إطلاق تجربة ثانية.
ليس غريبًا ولا صعبًا على الفهم أن هذا العجز فى كتائب التكامليين وكانت ملء الساحة فى عقدى الخمسينيات والستينيات رافقته فى بداياته بدايات حملة الاتفاقات الإبراهيمية التى قادتها الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل. رافقته أيضا ضخامة الفوائد المادية العائدة من السلطة القطرية بما لا يقارن بالفوائد المقدرة التى يمكن أن توفرها للمواطن سياسات تكامل إقليمى خلال الأجل القصير.
هذا العجز رافقته أيضا حرب دموية شنتها الولايات المتحدة على العراق وأعقبتها بتوسع فى إنشاء وتعزيز «ومحاربة» حركات متطرفة ومسلحة تعمل فى معظم أرجاء المنطقة العربية تشغل بها انتباه الحكومات العربية بعيدا عن التفكير فى تنفيذ مشروعات تكاملية أو مستقبلية.
• • •
تبقى لنا حقيقة أن الخيارات التكاملية الممكنة والمتاحة نظريا أمام الجماعة السياسية العربية خلال العقود القليلة القادمة لن تخرج عن الخمس التالية: (1) المشروع الإسلامى بروافده الراديكالى أى الإيرانى، والمحافظ أى السعودى، والتجريبى أى التركى العثمانى. (2) المشروع الإبراهيمى بروافده المتعددة (3) المشروع القومى على النمط الأوروبى (4) المشروع التكاملى انطلاقا من أسس قومية وحدوية تقرها القمة العربية. (5) المشروع الوظيفى وتنفذه بالفعل طبقة «المطورون العرب» باستخدام فوائض الثروة العربية.
• • •
يبقى لنا أيضا الأمل فى أن ينتبه المسئولون العرب قبل فوات الأوان إلى حقيقة أنه بدون سياسة تكامل إقليمى وعقول تكاملية عربية لن نتمكن من تحقيق الإنجاز المنشود فى مجال الذكاء الاصطناعى والثورة الملحقة به والمستقبل الناطق باسمه.