التصعيد الأمريكى الإيرانى.. نحو حرب شاملة أم تعزيز للأوراق التفاوضية؟

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 29 يوليه 2026 - 8:05 م بتوقيت القاهرة

لا يكاد يختلف اثنان من المعنيين فى هذا العالم بالشئون الدولية بصفة عامة، وبالشئون الشرق أوسطية على وجه الخصوص، على أن ما جرى من تصعيد متواصل فى المواجهات العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الفترة الماضية، وما تم تبادله من اتهامات وتهديدات ولغة عدائية شديدة الحدة والعنف بين الطرفين، قد أطاح، من الناحية العملية، باتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين، والذى كان قد تم التوصل إليه بصعوبة، وبعد جهد جهيد ووقت طويل، برعاية باكستانية، وبدعم مصرى وسعودى وتركى وقطرى وعُمانى، والذى ظل، إلى حد ما، صامدًا، وبدرجات متفاوتة من درجات الالتزام به، من جانب الطرفين لبعض الوقت.

وهناك الكثير من المعطيات التى طرحت نفسها على الساحة بشأن التصعيد فى المواجهات الأمريكية الإيرانية فى الفترة الأخيرة، ولكننا نكتفى هنا برصد عدد منها، دونما ادعاء بأننا نتناول جميع تلك المعطيات، وربما نتناول فى مقال قادم، أو أكثر، بعضها الآخر.

وأول هذه المعطيات هو التقارير المتناقلة عبر وسائل الإعلام المختلفة عن خلافات داخل كل دولة من طرفى الصراع الحالى، أى الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ليس فقط على الصعيد السياسى، بل وعلى الصعيد العسكرى أيضًا، بشأن جدوى التصعيد فى العمليات العسكرية من جانب كل من الطرفين الأمريكى والإيرانى. وقد يرى البعض أن من ضمن هذه التقارير ما قد يكون تسريبات مقصودة ومتعمدة لتضليل الطرف الآخر، كما قد يعتبر البعض الآخر أن بهذه التقارير الكثير من المبالغات فى تضخيم هذه الخلافات وحدتها، والتى هى ظاهرة طبيعية داخل قمة هرم السلطة فى أى دولة، طالما هناك الشخص الذى تئول إليه، فى نهاية المطاف، سلطة اتخاذ القرار النهائى. إلا أن الواقع أن هذه الخلافات قديمة قدم اندلاع الحرب ذاتها فى نهاية فبراير 2026، وهناك مؤشرات يُستدل بها على وجودها وتزايدها من بعض تصريحات عدد من القادة السياسيين والعسكريين على الجانبين، كما أن هناك إيماءات وتلميحات متعددة تصب فى خانة تأكيد وجود هذه الخلافات وتصاعدها فى الفترة القصيرة الماضية، بما يعكس اختلافات فى الرؤى ووجهات النظر بشأن كيفية إدارة الصراع بين البلدين فى طوره الراهن.

أما ثانى المعطيات فهو الخروج، ولو «المؤقت»، للجانب الإسرائيلى من حلبة المواجهة العسكرية مع إيران، وذلك بصفة خاصة بخلاف المرحلة السابقة على وقف إطلاق النار. فمن جانبها، لم تقم إسرائيل بأى عمليات عسكرية ضد الطرف الإيرانى فى الفترة الأخيرة، وكذلك تجنب الجانب الإيرانى توجيه أى ضربات تستهدف إسرائيل خلال نفس تلك الفترة. والرسالة الضمنية هنا، من الجانب الإيرانى، هى أنه طالما لم تقم إسرائيل بعمليات عسكرية مباشرة ضده، فلن تقوم إيران بدورها بقصف أهداف إسرائيلية. ومن الجانب الإسرائيلى، يبدو الأمر أيضًا مفهومًا على أساس أن إسرائيل منشغلة أساسًا بالتعامل مع «حزب الله» ومع الملف اللبنانى بشكل عام، ولا تود الانجرار إلى عمليات عسكرية ذات طابع استنزافى فى مواجهات مباشرة مع إيران، خاصة أنه من الواضح أن القيادة السياسية الإسرائيلية باتت غير واثقة من أنها تفهم جيدًا نوايا ومخططات الإدارة الأمريكية تجاه إيران، وذلك دون أن ننسى أيضًا تصاعد الخلافات السياسية والحزبية داخل إسرائيل فى الفترة الأخيرة، والتى لا جدال فى أنها تشكل هاجسًا مستمرًا لدى رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو»، خاصة فى ضوء اتهام بعض الساسة الإسرائيليين المعارضين له بأنه لا تتم استشارته من قبل الإدارة الأمريكية فى كل الموضوعات الخاصة بإيران.

وثالث المعطيات هو ما يتصل بضخامة حجم واتساع نطاق الردود الإيرانية على الهجمات الأمريكية، من خلال استهداف مواقع داخل البلدان العربية، سواء فى منطقة الخليج، أو المملكة الأردنية الهاشمية، تقول السلطات الإيرانية إنها أهداف أمريكية، فى حين تؤكد البلدان العربية التى تتعرض لهذه الهجمات الإيرانية أنها تصيب أهدافًا وطنية لهذه الدول لا علاقة لواشنطن بها، بما فى ذلك منشآت حيوية، منها ما يتصل بقطاع الطاقة. وقد قرأنا منذ أيام تصريحات لرئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيرانى «محمد باقر قاليباف»، يحذر فيها من أنه إذا استمرت واشنطن فى قصف منشآت البنية التحتية ومنشآت قطاع الطاقة فى إيران، فإن إيران قادرة على أن تحول دون قدرة أى دولة من دول المنطقة على إنتاج أو تصدير النفط. وأدى هذا التصعيد من الجانب الإيرانى تجاه عدد غير قليل من الدول العربية إلى اتساع وتصاعد الإعراب عن الإدانة للهجمات العسكرية الإيرانية ضد عدد من الدول العربية، وللتعبير عن التضامن مع الدول العربية المستهدفة من جانب دول عربية أخرى، وفى مقدمتها مصر، باعتبار أن هذه الهجمات الإيرانية بات يُنظر إليها على أنها تمثل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة، وللأمن القومى العربى،  ولمصالح مباشرة لدول عربية تعمل أعداد كبيرة من مواطنيها فى الدول العربية فى منطقة الخليج. وزاد من حدة هذا التصاعد فى النبرة العربية تجاه إيران أن الأخيرة هاجمت مؤخرًا أهدافًا لدول سبق لها الوساطة بين طهران وواشنطن، مثل سلطنة عُمان ودولة قطر.

أما رابع المعطيات التى نتناولها هنا فهى لجوء إيران مجددًا إلى تعبئة حلفاء إقليميين لها، وفى مقدمتهم جماعة «أنصار الله» (المعروفة عالميًا وإعلاميًا باسم «الحوثيين») فى اليمن، وعدد من الجماعات الشيعية المسلحة الموالية لإيران فى العراق، لمشاركتها فى العمليات العسكرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مقابل لجوء واشنطن إلى استخدام قواعد عسكرية بريطانية لشن هجمات ضد إيران، مما أدى فعليًا إلى اتساع رقعة الصراع وزيادة مطردة من جديد فى الأطراف المشاركة فيه، إضافة إلى اتساعها أصلًا منذ حرب الأربعين يومًا التى بدأت فى 28 فبراير 2026. وقد أدى ذلك إلى عدد من النتائج، نسرد بعضها هنا، وأولها هو تعرض منشآت نفطية سعودية لهجمات عسكرية من جماعات عراقية شيعية مسلحة موالية لإيران، وهو الأمر الذى بدا أنه يمكن أن يثير بوادر أزمة دبلوماسية بين الحكومتين العراقية والسعودية، بالرغم من إسراع الحكومة العراقية إلى إدانة هذه الهجمات، والتبرؤ منها، والتأكيد على أنه سيتم التحقيق فيها، ورفضها المساس بالعلاقات العراقية السعودية. أما ثانى هذه النتائج فهو إعلان إيران، على أعلى المستويات الرسمية، أن بريطانيا صارت هدفًا للضربات الإيرانية فى المستقبل، لأنها أصبحت طرفًا فى الصراع بقبولها استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لقواعدها العسكرية لشن الهجمات على إيران، ورفض الجانب البريطانى تلك التصريحات. أما ثالث، وآخر، ولكن ربما أهم، النتائج المترتبة على توسيع رقعة الصراع وتزايد أطرافها مجددًا، فهو تهديدات «الحوثيين» بإغلاق الملاحة فى البحر الأحمر أحيانًا، وبفرض حصار بحرى على المملكة العربية السعودية أحيانًا أخرى. وخطورة هذا الأمر أنه لا يمس المصالح الأساسية والحيوية لأطراف الصراع المباشرة وغير المباشرة فقط، بل يؤثر فى مصالح اقتصادية لدول كثيرة فى مناطق مختلفة من العالم، وربما بما لا يقل عن تأثير فترة إغلاق إيران لمضيق هرمز على الجانب الآخر.

وتصب هذه المعطيات الأربعة التى تم ذكرها، وتصلح لأن يتم تفسيرها فى أى من الاتجاهين؛ فهى قد تشير إلى تزايد فرص اندلاع حرب جديدة، وأكثر شمولًا، من حرب الأربعين يومًا، فى اتساع رقعتها، وأكثر تدميرًا وعنفًا فى نتائجها، أو قد تكون مجرد محاولة من كل من الطرفين الأمريكى والإيرانى لتعزيز أوراق كل طرف التفاوضية عندما تحين أوقات وفرص التفاوض، خاصة من خلال تجدد الوساطات من جانب أكثر من طرف، وفى مقدمتهم سلطنة عُمان وباكستان، لتضييق هوة الخلافات وتخفيف حدتها، وكذلك من خلال مناشدة الأطراف الدولية الكبرى، مثل روسيا والصين وأمين عام الأمم المتحدة وغيرهم، والأطراف الإقليمية الكبرى مثل مصر وتركيا، للطرفين الأمريكى والإيرانى، تبنى الخيار التفاوضى بديلًا عن تصعيد العمليات العسكرية، بما ينذر بعواقب وخيمة على الجميع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved