التراث فى السينما المصرية بعيون ثورة يوليو
مايسة مصطفى
آخر تحديث:
الأربعاء 29 يوليه 2026 - 8:05 م
بتوقيت القاهرة
تزامن مؤخرًا عرض الفيلم المصرى الشيق «القصص»، بطولة نيللى كريم، وتأليف وإخراج أبو بكر شوقى، والذى يتناول الحقبة الناصرية وفترة حكم السادات، مع الاحتفال هذا العام بأعياد ثورة يوليو. ينقلنا الفيلم ببراعة إلى عدة جوانب من الحياة المصرية أثناء تلك الحقبة، بشوارعها وملابس أبطاله ومبانيها، وكأنه وثيقة عن حياة وتراث مصر فى تلك الفترة. هذا ليس غريبًا عن السينما المصرية، التى تُعد حافظةً للتاريخ والتراث منذ بداياتها حتى الآن. لنركب قطار الزمن إلى الخلف، ونرجع إلى صيف ١٩٥٢ الحار والسنوات التى تلته، لنطل بعيون وعقول واعية على كيفية تمثيل التراث المصرى بعيون ثورة يوليو.
• • •
أدرك القائمون على السلطة أهمية السينما كلغةٍ سهلة الوصول، وجذابة بصريًا، وذات تأثير بالغ فى جمهورها. وفى هذا السياق، استخدم صناع الأفلام التراث المصرى، ممثلًا فى مواقعه الأثرية المتعددة فى أنحاء مصر كافة، لإنتاج أفلام جديدة ذات حبكات تعكس الأفكار الاجتماعية والسياسية الجديدة لثورة يوليو.
فى عام ١٩٥٤ أنتجت السينما المصرية فيلمًا، من إخراج يوسف شاهين، يحتوى على مشاهد رئيسية مهمة صُوِّرت فى مواقع تراثية بصعيد مصر، وهو «صراع فى الوادى». تدور الحبكة الدرامية حول النظام الإقطاعى الفاسد قبل ثورة ١٩٥٢، والذى أدى إلى ظلم اجتماعى. اختار شاهين أن يصور المشاهد الرئيسية فى معبد الكرنك بالأقصر. وتعمد شاهين استخدام عظمة وجلال قاعة الأعمدة فى الكرنك لإظهار ضآلة أدوار الشخصيات فى القصة، ولإبراز الصراع الطبقى بين الباشا والفلاحين. وفى الوقت نفسه، أجرى مقارنة بين مجد الماضى وانهيار الحاضر خلال الفترة الإقطاعية باستخدام لقطات طويلة (لونج شوت) لإظهار عظمة المعبد، أى الماضى العظيم، على النقيض من الممثلين الذين يمثلون الحاضر.
وفى العام نفسه، أنتجت السينما فيلمًا آخر يعكس العهد الجديد، وهو «أربع بنات وضابط». صُوِّرت العديد من المشاهد فى شوارع القاهرة التاريخية الضيقة، حيث كانت تعيش الطبقة العاملة المصرية، وخاصة فى حى القلعة. تناول الفيلم معاناة الأطفال الذين يعيشون فى الشوارع، أو فى مراكز الإصلاح والتأهيل، ودور الدولة المصرية فى حمايتهم من الانحراف فى ظل الجمهورية المصرية الجديدة. وكان منقذ الفتيات اليتيمات الأربع ضابطًا شابًا، وهو ما يتمشى مع السلطة السياسية الجديدة بعد الثورة، المتمثلة فى حركة «الضباط الأحرار». والدليل على ذلك ظهور شعار هيئة التحرير، التى أنشأتها الحركة، عدة مرات فى الفيلم، مع شعار «الاتحاد والنظام والعمل»، كما ظهرت فى الخلفية صورة للواء محمد نجيب، رئيس الحركة آنذاك.
• • •
جاءت الستينيات، واحتكرت الدولة المصرية معظم إنتاج الأفلام، وأصبحت وفقًا لتوجهات الدولة. ونذكر على الأخص عام ١٩٦٣، الذى كان يُعد من أكثر الأعوام إنتاجًا لهذا النوع من الأفلام، مثل الفيلم الكوميدى خفيف الظل “عروس النيل”، الذى صُوِّر فى مدينة الأقصر وداخل أسوار معابدها. كانت رسالة تلك المشاهد ترويجًا مباشرًا للمدينة التاريخية من جهة، ودعايةً للسلطة السياسية آنذاك من جهة أخرى. وقد أُقحمت الفكرة الأخيرة عندما زار أبطال الفيلم، لبنى عبد العزيز ورشدى أباظة، المصانع الحديثة التى بُنيت فى فترة الستينيات، مصحوبين بحوار يشرح كيف بنى أحفاد الحضارة القديمة العظيمة مصر الحديثة فى فترة ما بعد الاستعمار. وفى العام نفسه، صُوِّر فيلم «اللص والكلاب»، عن رواية لنجيب محفوظ، داخل المساجد القديمة والمنازل التاريخية والتكايا فى القاهرة القديمة، مثل بيت الكريتلية وحارة بين الوطاويط بجانب مسجد ابن طولون وغيرهما. استلهم صناع الفيلم وصف محفوظ لشوارع ومبانى القاهرة الإسلامية فى رواياته، وقاموا بالتصوير فى الأماكن التراثية الأصلية. وقد وُظفت تلك المشاهد لإظهار نتائج الظلم الاجتماعى والفوارق الطبقية خلال فترة الملكية، وكيف يمكن أن تؤدى هذه الفوارق إلى ارتكاب الجرائم، مثلما فعل سعيد مهران، بطل القصة، الذى قام بدوره الفنان شكرى سرحان.
وفى العام نفسه، أُنتج فيلم «الحقيقة العارية»، وصُوِّر فى العديد من المواقع التراثية، مثل هضبة الجيزة، والمتحف المصرى بالتحرير، ومدينة أسوان. وقد صُوِّر الفيلم فى أسوان لإيصال رسالة دعائية واضحة، خلال بناء السد العالى، حول المشروع القومى للرئيس جمال عبد الناصر. كما ساهم الفيلم فى الترويج السياحى للمواقع التراثية المصرية. وقد عُرض بالتزامن، فى العام نفسه، فيلم أمريكى من إنتاج مترو جولدن ماير بعنوان «القاهرة»، ظهر فيه أيضًا المتحف المصرى، وكان من الأفلام العالمية القليلة الدعائية عن تاريخ وحضارة مصر فى فترة الستينيات. ومن المثير للدهشة أن المرشد السياحى فى المتحف قد لعب دوره الشاعر صلاح جاهين، بينما لعبت فاتن حمامة دور البطولة، التى مثّلت باللغة الإنجليزية للمرة الأولى والأخيرة.
• • •
لا يمكن ذكر عام ١٩٦٣ دون ذكر فيلم «الناصر صلاح الدين» للمخرج يوسف شاهين، والذى أعتقد أنه من أكثر الأفلام حظًا فى تاريخ السينما المصرية من حيث الكتابة عنه وتحليله من قِبل النقاد والصحفيين. فقد كُتب كثيرًا حول ميزانيته الضخمة، التى وصلت إلى ٢٠٠ ألف جنيه، وهو مبلغ فى غاية الضخامة فى ذلك الوقت. وكُتب عنه أيضًا ترشحه لعدة جوائز عالمية، ولكن لأسباب قد تكون سياسية، لم يحظَ بأى جائزة. وبالرغم من أن الفيلم يتناول حياة القائد العربى صلاح الدين الأيوبى، الذى عاش فى القرن الثانى عشر الميلادى، وانتصاراته على الصليبيين، فإنه كان انعكاسًا واضحًا للحقبة الناصرية وزعامة ناصر للعالم العربى. صمم بعناية ودراسة المبدع شادى عبد السلام الديكورات التراثية والأزياء التاريخية. وإلى جانب ذلك، تم تصوير الفيلم ببذخ فى العديد من المواقع التراثية، مثل قلعة قايتباى بالإسكندرية، التى كان المقصود بها فى الفيلم أسوار مدينة عكا، ومسجد محمد على فى القلعة، الذى كان المقصود به قصر ملك أورشليم المسيحى بالقدس، لدرجة وضع صليب كبير كديكور داخل المسجد، واستخدامه موقعًا للتصوير ليس إلا. ولأهمية هذا الفيلم لدى السلطة السياسية، تم توفير جميع التصاريح الحكومية اللازمة لإنتاجه، هذا بالإضافة إلى إسناد كتابة السيناريو والحوار إلى أربعة من أشهر كتّاب السينما حينذاك.
وفى بداية عام ١٩٦٧ أنتجت السينما الفيلم الاستعراضى الجميل «غرام فى الكرنك»، الذى ظهر فيه التراث والمعابد كبطلين للقصة، وقد كان من إنتاج مؤسسة حكومية معنية بالثقافة، وهى شركة القاهرة للإنتاج السينمائى. وهو فيلم دعائى أيضًا للحقبة الناصرية، وقد نجح المخرج على رضا فى عرض رقصات عصرية مصرية داخل المعابد القديمة، وذلك ليربط بين أصالة معابد طيبة القديمة والرقصات المختلفة لمحافظات مصر، التى أداها راقصو فرقة رضا، برعاية الدولة المصرية. كما نجح الفيلم فى المزج بين التراث المادى، المتمثل فى معبدى الكرنك والأقصر، والتراث غير المادى، المتمثل فى الرقصات والأغانى الخاصة بكل محافظة. كما تذكرنا أغنية «حتشبسوت» الشهيرة بالتوجه السياسى السائد آنذاك، والوضع الجديد للمرأة فى عهد جمال عبد الناصر، حين نص الدستور المصرى لعام ١٩٥٦ على المساواة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات، بما فى ذلك الحقوق السياسية.
بعد الهزيمة العسكرية عام ١٩٦٧، ووفاة جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠، والتحول الكامل للاقتصاد المصرى من الاشتراكية إلى الانفتاح الاقتصادى، تمت تصفية «المؤسسة المصرية العامة للسينما» خلال السبعينيات، وتراجع دورها بشكل ملحوظ حتى توقفت تمامًا عن إنتاج الأفلام الثقافية والتاريخية الروائية.
• • •
وأخيرًا، صحيح أن الدولة المصرية احتكرت معظم إنتاج الأفلام خلال تلك الحقبة، وأن الأفلام كانت تُنتج وفقًا لتوجيهات الدولة ولغرض الترويج لأيديولوجية سياسية واجتماعية جديدة. ومع ذلك، حظى العديد منها بقيمة ثقافية وفنية عالية. وهذا ليس بالأمر المستغرب، إذ إن العديد من هذه الأفلام أُنتجت برعاية وزير الثقافة آنذاك، الدكتور ثروت عكاشة، وهو ضابط عسكرى مثقف فى حركة الضباط الأحرار، يُعرف باسم «الفارس النبيل»، وكان له تأثير كبير وإيجابى فى الثقافة المصرية خلال تلك الفترة.
ويطل علينا عام ١٩٧٢ بفيلم مختلف، وهو فيلم «العصفور»، الذى كتبه وأخرجه وأنتجه يوسف شاهين. تناول الفيلم رفض الشعب المصرى الاستسلام للهزيمة العسكرية عام ١٩٦٧، ورغبته فى الثأر. توجه شاهين إلى موقع تراثى فى أسيوط، فى صعيد مصر، وهو دير المحرق، حيث صوّر مشهدًا محوريًا يجمع الشخصيات الرئيسية وهى تناقش الأسباب الداخلية وراء الهزيمة. وكان لاختيار شاهين لهذا الدير القديم دور مهم، إذ أوصل رسالة مفادها أن جميع المصريين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، وحتى فى قرى الصعيد النائية، قد شعروا بمرارة الهزيمة، ولم يرغبوا إلا فى شىء واحد، وهو الأخذ بالثأر، وفقًا لتقاليدهم القديمة.
وفى النهاية، وفى بداية الربع الثانى من القرن الحادى والعشرين، ورغم قلة الأفلام المنتجة، لا تزال السينما المصرية تُبهرنا من حين لآخر بإنتاج أفلام مميزة تُصوّر تاريخ مصر وتراثها من منظور مبدعيها. فبينما عرضت سينما الخمسينيات والستينيات تاريخ مصر وتراثها من منظور تلك الفترة، فإن السينما المصرية لا تزال تُخبرنا عن هذا التراث، ولكن هذه المرة من خلال عيون جيل جديد واعٍ. وها هو فيلم جميل ذو قيمة عالية، وهو فيلم «القصص»، يستحق المشاهدة، فهو يؤكد أن السينما ستظل حافظةً للتاريخ والتراث، وأن مصر ستبقى دائمًا وأبدًا هوليوود الشرق.
باحثة وحاصلة على الدكتوراة فى التراث الثقافى المصرى