أوروبا لا تقبل سياسات إسرائيل فى الضفة الغربية.. وطرد الضباط لن يحلّ المشكلة
من الصحافة الإسرائيلية
آخر تحديث:
السبت 29 أغسطس 2026 - 7:55 م
بتوقيت القاهرة
إن القرار الأخير بشأن طرد الضباط الهولنديين من مقرّ القوة المتعددة الجنسيات فى كريات غات، إلى جانب التفكير فى طرد الضباط البريطانيين الذين يخدمون هناك أيضا، هو مثال آخر لردٍّ إسرائيلى يرفض التعامل مع حقيقة بسيطة، وهى أن أوروبا لا تقبل السياسة الإسرائيلية فى الضفة الغربية، ولا يوجد أى تحرُّك إسرائيلى، بما فى ذلك طرد الضباط، يمكنه تغيير هذا الواقع، ومحاولة القيام بذلك أشبه بمحاولة تجفيف البحر بملعقة.
خلافاً للادعاء الشائع فى إسرائيل، فإن الخطوات التى اتخذتها هولندا ضد إسرائيل، والتى لا يزال معظمها فى إطار التصريحات، لا تنبع من «كراهية إسرائيل»، بل تنبع أساسا من معارضة السياسة التى تنتهجها الحكومة الإسرائيلية فى الضفة الغربية، حتى إن أكثرية هذه الجهات الأوروبية ترغب فى رؤية تغيير فى السياسة الإسرائيلية، من شأنه، تحديداً، إتاحة إعادة تعزيز العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبى.
وبدلا من النظر إلى الخطوات الهولندية، باعتبارها جرس إنذار، تختار الحكومة الإسرائيلية معاقبة هولندا. وربما يحظى طرد الضباط بتصفيق بعض أوساط اليمين، لكنه لن يغيّر الحقيقة الأساسية، ومفادها بأن إسرائيل لا تستطيع الإمساك بالعصا من طرفيها: أن تدفع نحو ضمّ تدريجى فى الضفة الغربية، وفى الوقت نفسه، تتوقع تعميق اندماجها السياسى والاقتصادى مع أوروبا، كأن شيئاً لم يتغيّر.
إن الرسالة الأوروبية لإسرائيل واضحة، عشية الانتخابات: لن تتقبل الدول الأوروبية لفترة طويلة الواقع المتبلور فى الضفة الغربية، وستكون مستعدة لاتخاذ خطوات أكثر أهميةً فى حال استمر المسار الحالى؛ ربما تنجح ردات الفعل «الصهيونية الملائمة» فى السياسة الإسرائيلية، لكنها لا تغيّر المواقف الأوروبية.
علاوةً على ذلك، مَن يعتقد أن مثل هذه الردود ستدفع لندن، أو لاهاى، أو عواصم أوروبية أُخرى، إلى إعادة التفكير فى معارضتها السياسة الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية، ربما يحقق النتيجة المعاكسة تماما. فالخطوات المتحفّظة نسبياً، التى اتُّخذت حتى الآن، يمكن أن تتحول إلى خطوات أكثر حدةً، كلما تعزز فى أوروبا الشعور بأن إسرائيل، ببساطة، «لا تفهم الرسالة».
ربما تكون الحكومة الإسرائيلية تسعى لاتّباع سياسة «ليكن ذلك عبرة للآخرين» وردع دول أُخرى عن اتخاذ خطوات مماثلة، لكن يبدو كأن عدداً غير قليل من الدول الأوروبية تجاوز الخط الأحمر؛ فهى لم تعُد ترى فى انتقاد إسرائيل واتخاذ إجراءات ضد سياستها فى الضفة الغربية خطاً لا يجوز تجاوُزه. ومن هذا المنظور، يمكن أن يؤدى الرد الإسرائيلى نفسه إلى الإضرار بالمصالح الإسرائيلية؛ فبدلاً من ردع خطوات إضافية، يمكن أن يؤدى ذلك إلى تعميق المواجهة وجعل إسرائيل عرضةً لمزيدٍ من الإجراءات ضدها.
وهنا تحديداً، تكمن المشكلة الأعمق؛ فاليوم الذى يقدم فيه رئيس حزب إسرائيلى جديد «الهجرة الطوعية»، باعتبارها حلاً لغزة، وفى موازاة ذلك، يستغل عضو كنيست جولة عسكرية لكى ينفّذ القانون بيده فى الضفة الغربية، لن يغيّر أى تحسين فى منظومة الدعاية والإعلام الإسرائيلية مكانة إسرائيل فى أوروبا بشكل جوهرى.
إن مشكلة إسرائيل ليست مشكلة «هاسبارا»، بل تكمن المشكلة فى السياسة، وهذه يجب أن تكون أيضا جرس إنذار لأولئك الذين يزعمون أنهم يريدون استبدال نتنياهو، لكنهم يرتبكون بمجرد ذِكر عبارة «دولة فلسطينية». ليس مطلوبا التعهد بإقامة دولة فلسطينية غدا صباحا، لكن يجب طرح مسار سياسى موثوق به يحافظ على إمكان الانفصال عن الفلسطينيين ويوقف واقع الضم التدريجى.
مَن يعتقد أنه يستطيع إعادة ترميم علاقات إسرائيل الخارجية، واستعادة شرعيتها فى أوروبا، وتحسين مكانتها الدولية، وفى الوقت نفسه، مواصلة السياسة عينها عمليا فى الضفة الغربية، إنما يخدع نفسه.
أوروبا لا تكره إسرائيل، بل تعارض سياستها، وهذا لا يمكن حلّه عبر الإعلام، أو طرد الضباط، أو إطلاق ردات فعل استفزازية جديدة؛ لا يمكن تغيير ذلك إلّا عبر تغيير السياسة.
دانى سيتيرونوفيتش
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية