رفع مستوى العلاقات بين إسرائيل والمغرب
رخا أحمد حسن
آخر تحديث:
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
أعلن فى 16 سبتمبر 2026 عن رفع مستوى العلاقات بين إسرائيل والمغرب، على المستويات الدبلوماسية، والاقتصادية، والسياحية، عقب اجتماع ثلاثى فى نيويورك بحضور وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، ووزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، وبرعاية المندوب الأمريكى لدى الأمم المتحدة مايك والتس. وقد أقام المندوب الأمريكى فى اليوم السابق لهذا الاجتماع احتفالية بمناسبة مرور ست سنوات على إطلاق الاتفاقات الإبراهيمية للتطبيع مع إسرائيل عام 2020 فى الرئاسة الأولى للرئيس ترامب. وشارك فى الاحتفالية ممثلون عن البحرين، والإمارات العربية، والمغرب، وإسرائيل، وكازاخستان.
وقد جددت إسرائيل والمغرب والولايات المتحدة الأمريكية التزامها بمجموعة التدابير الرامية إلى تعزيز العلاقات بين إسرائيل والمغرب، بما فى ذلك رفع مستوى البعثتين الدبلوماسيتين بينهما إلى مستوى سفارتين وتعيين سفيرين لكل منهما لدى الآخر. والاتفاق على زيادة الرحلات الجوية بين إسرائيل والمغرب لتشمل رحلات تسيرها شركات طيران مغربية على أن يدخل ذلك حيز التنفيذ قبل نهاية عام 2026. والاتفاق على استكمال اتفاقيتين بشأن حماية الاستثمارات، ومنع الازدواج الضريبى بحلول نهاية 2026، بما من شأنه حماية الاستثمارات المتبادلة، ودفع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين والشعبين قدمًا، والعمل على إبرام اتفاقات اقتصادية بين البلدين قبل نهاية 2026، وإجراء زيارات متبادلة رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة.
وقال وزير خارجية إسرائيل إن الصداقة بين الشعبين المغربى واليهودى ضاربة بجذورها فى عمق التاريخ، ولها إرث غنى، وإن الإعلان الذى تم التوصل إليه يرسم خطوات عملية للارتقاء بالعلاقات بين إسرائيل والمغرب بما يخدم مصلحة الشعبين.
كما تضمن البيان المشترك، أن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة سلمية وودية بين إسرائيل والمغرب يصب فى مصلحة الدولتين، وستعود بالفائدة على قضية السلام وتتيح فرصًا جديدة للمنطقة بأكملها، وتلتزم الدولتان بتعزيز السلام والعلاقات الودية والسعى لتحقيق رؤية السلام والإخاء والأمن فى المنطقة وحول العالم.
• • •
ووصف المندوب الأمريكى والتس الاتفاق بأنه تقدم فى مجالات الأمن والتجارة والتكامل الإقليمى على حد قوله. وهو ما يشير إلى استمرار السعى الأمريكى لتوسعة نطاق الاتفاقات الإبراهيمية. وقد سبق أن اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية فى عام 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية. وطلب المغرب أن تقيم واشنطن قنصلية لها فى الصحراء الغربية تأكيدًا لاعترافها بسيادة المغرب عليها. وتبع ذلك اعتراف إسرائيل بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية فى يوليو 2023 فى رسالة موجهة من رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو إلى ملك المغرب محمد السادس.
وتم افتتاح مكتب الاتصال الإسرائيلى فى الرباط عام 2021 بعد عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل فى أواخر عام 2020، وكانت قد توقفت عقب انتفاضة الأقصى الفلسطينية عام2000. ولكن بعد عملية طوفان الأقصى الفلسطينية ضد إسرائيل فى 7 أكتوبر 2023، تم إجلاء موظفى مكتب العلاقات الإسرائيلى فى الرباط نتيجة مظاهرات المواطنين المغاربة ضد التطبيع مع إسرائيل.
ورغم ذلك يبقى للجالية اليهودية فى المغرب وضعها الخاص سواء فى التجارة أو السياحة، كما أنه من التقاليد المتبعة أن يكون من بين مستشارى ملك المغرب مستشار يهودى، يمثل الجالية اليهودية ويكون حلقة اتصال مباشر بينها والملك. وينظم التجمع العالمى لليهود المغاربة الذى يرأسه سيرج بيرديجو – أمين عام مجلس الجاليات الإسرائيلية فى المغرب، لقاءات ومؤتمرات لربط اليهود المغاربة فى المهجر بالوطن الأم.
• • •
يلاحظ أن رفع مستوى العلاقات كان مقررًا أن يتم فى أواخر 2022 أو خلال 2023، لكن عطلته الحرب الإسرائيلية على غزة فى أكتوبر 2023. ويرجع رفع هذا المستوى الآن إلى رغبة المغرب فى جلب الاستثمارات الأمريكية والإسرائيلية وتدعيم الروابط الاقتصادية والأمنية معهما. وإن الواقع الفعلى يشير إلى أن العلاقات بين إسرائيل والمغرب مستمرة دون انقطاع، فتعلو أحيانًا وتهدأ أحيانًا أخرى دون تراجع فعلى. فإذا كان المغرب قد سبق أن أغلق مكتب الاتصال فى إسرائيل ومكتب الأخيرة فى الرباط عقب انتفاضة الأقصى فى سبتمبر 2000، إلا أن الاتصالات لم تتوقف بين البلدين.
وقد افتتح وزير خارجية إسرائيل الأسبق، يائير لابيد مكتب الاتصال الإسرائيلى فى الرباط فى أغسطس 2021، واتخذت وزارة الخارجية الإسرائيلية قرارًا فى أغسطس 2022 ببناء مبنى للسفارة الإسرائيلية على قطعة أرض مملوكة لإسرائيل فى حى راق فى الرباط، على أن يتم البناء خلال عام أو عام ونصف العام.
ولقى التطبيع فى المجال الأمنى والعسكرى اهتمامًا كبيرًا من إسرائيل والمغرب، وزار وزير الدفاع الإسرائيلى بينى جانتس المغرب فى نوفمبر 2021، ووقع اتفاقًا للتعاون الأمنى وصفه جانتس بأنه مهم جدًا لتبادل الآراء وإطلاق مشاريع مشتركة وتحفيز الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب. كما زار المغرب رئيس الأركان الإسرائيلى فى يوليو 2022 وبحث مشاريع مشتركة فى مجال الصناعات العسكرية والدفاعية. وذكرت الصحف الإسرائيلية وقتئذ أن المغرب وقع اتفاقًا مع إسرائيل للحصول على مجموعة من الطائرات المسيرة الإسرائيلية. كما زار المفوض العام للشرطة الإسرائيلية يعقوب شبتاى المغرب فى أغسطس 2022، وتم وضع أساس لمشاركة أمنية تخدم المصالح المشتركة للبلدين. كما شاركت إسرائيل لأول مرة فى «مناورات الأسد الإفريقى» العسكرية عام 2022 فى المغرب بقيادة عسكرية أمريكية مغربية مشتركة. وزار المفتش العام للقوات المسلحة المغربية إسرائيل فى سبتمبر 2022، للمشاركة فى مؤتمر دولى حول الابتكار فى المجال العسكري. ووقع المغرب فى فبراير 2022 على صفقة مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية قيمتها 500 مليون دولار أمريكى لشراء منظومات دفاعية حديثة لسلاح الجو المغربي.
وجاء فى دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى فى مايو 2022 أن العلاقات التجارية بين المغرب وإسرائيل تنمو، وأن هذا يمكن أن يفتح الباب لإسرائيل إلى إفريقيا، خاصة الدول التى ليس لها علاقات مع إسرائيل فى غرب ووسط إفريقيا، ويتيح توثيق العلاقات بين إسرائيل وتلك الدول، وربما يمكن التأثير على مواقفها السياسية تجاه إسرائيل فى الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
• • •
وترى أحزاب المعارضة المغربية أن هذا التطور فى مسار العلاقات بين المغرب وإسرائيل، والانتقال من مستوى مكاتب الاتصال إلى علاقات دبلوماسية كاملة، يتم فى وقت تستمر فيه حرب التطهير العرقى ضد الفلسطينيين من قبل عصابات جيش الاحتلال الإسرائيلى، وتتزايد فيه الانتقادات الدولية لسياسات التفرقة العنصرية فى قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وجنوب لبنان، وهل هو مجرد تطور فى مسار العلاقات الدبلوماسية، أم مسار متدرج نحو إعادة تشكيل أوسع للتبعية المغربية وخضوعها للإملاءات السياسية والاقتصادية والثقافية الإسرائيلية، وذلك فى وقت تكتسب فيه القضية الفلسطينية بعدا لدى الهيئات والتيارات المناهضة للتطبيع مع إسرائيل فى المغرب.
وقد تواكب اتفاق رفع مستوى العلاقات بين إسرائيل والمغرب مع الانتخابات التشريعية المغربية التى أجريت يوم 23 سبتمبر 2026، ووعدت الأحزاب اليسارية فى حملتها الانتخابية بمحاربة التطبيع وتجميده. وقد سبق أن قال وزير خارجية المغرب فى فبراير 2020، إن المغرب يدعم القضية الفلسطينية فى موقفهم من صفقة القرن التى طرحها ترامب لحل القضية الفلسطينية، وأنه يرى أن مبادرة صفقة القرن إيجابية لأنها تتحدث لأول مرة عن حل الدولتين، ولن يفرض على الفلسطينيين قبولها (لأنهم رفضوها) ومن حقهم التعبير عن موقفهم، والمغرب يدعمهم فى ذلك، ولكن قضية الصحراء الغربية هى القضية الأولى للمغرب، وأضاف أنه «لا ينبغى أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم».
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن رفع مستوى العلاقات مع المغرب، يأتى فى إطار محاولة للتخفيف من عزلتها الدولية، وإظهار إنجازاتها فى المجالين العسكرى والسياسى. ولكن الحقيقة أن ذلك لن يكون له تأثير يذكر لا على استمرار عزلة إسرائيل الدولية، ولا فى مساعدة نتنياهو فى حملته الانتخابية، خاصة وأن هذا يتوافق مع فتح السلطة الفلسطينية سفارة لها فى العاصمة الأسبانية مدريد، ومشهد مقاطعة وفود 77 دولة خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم.
الحقيقة أن رفع مستوى العلاقات بين المغرب وإسرائيل فى كافة المجالات بمثابة نتيجة طبيعية لمسار هذه العلاقات منذ عام 2020، وبما يتوافق مع أولويات كل من المغرب وإسرائيل، واهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية بحماية المصالح الإسرائيلية.
مساعد وزير الخارجية الأسبق