حين تصبح المعرفة قوة

سمر عادل
سمر عادل

آخر تحديث: الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

لا تتقدم المجتمعات بالموارد وحدها فالموارد الطبيعية، والموقع الجغرافى، ورأس المال، والقوة البشرية، كلها تمنح المجتمع إمكانات، لكنها لا تحدد وحدها ما يمكن أن يصبح عليه، ولذا بين ما تمتلكه المجتمعات وما تستطيع تحقيقه، تقف المعرفة باعتبارها العامل الذى يمنح الموارد قيمتها الاقتصادية والاجتماعية ويحدد كيف يمكن أن توظفها. فالأرض مثلًا لا تحمل قيمة اقتصادية واحدة فى كل زمان ومكان، والموقع الجغرافى لا يتحول تلقائيًا إلى ميزة اقتصادية، والثروة البشرية لا تصبح بالضرورة قوة إنتاجية من دون المعرفة والمهارات التى تمكنها من ذلك، ومن هنا لا تكمن أهمية العلم فى إضافة معلومات جديدة إلى العالم فقط، وإنما فى إعادة اكتشاف الإمكانات الكامنة فيما هو موجود بالفعل وآلية تحويله إلى قيمة مضافة.


وبهذا المعنى يغير العلم طريقة الإنسان فى النظر إلى الواقع؛ حيث ما يبدو قيدًا يمكن أن يتحول إلى مجال للبحث، وما يبدو موردًا محدودًا يمكن أن تتعدد استخداماته، وما كان مستحيلًا فى مرحلة معينة قد يصبح ممكنًا عندما تتغير أدوات المعرفة. ولذلك فإن إحدى أهم وظائف العلم هى توسيع الرؤية التى يتحرك داخلها الإنسان، وفى هذا السياق يمكن النظر إلى تاريخ الحضارات من هذه الزاوية باعتباره، فى جانب منه، تاريخًا للتحولات الكبرى فى المعرفة. فالثورة الصناعية لم تكن مجرد انتقال إلى إنتاج أكبر، وإنما أعادت تعريف العمل والإنتاج. كما أن تطور وسائل الاتصال لم يختصر الزمن فقط، بل غير من طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية وحتى الإنسانية بين المجتمعات.


ولذا يمكن القول بأن المعرفة تأخذ موقعًا مختلفًا فى مفهوم القوة، إذ إن امتلاك مورد أو منتج يمنح صاحبه قدرة معينة، لكن امتلاك القدرة على تطويره وإعادة إنتاجه هو ما يمنح قدرة أكثر استدامة، ولذلك أصبحت الفجوة بين من ينتج المعرفة ومن يستهلكها ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية، لأنها ترتبط بمن يشارك فى عمليات التحديث والتقدم وبمن يكتفى باستخدام نتائجها وبالتالى لا تتحول المعرفة تلقائيًا إلى قوة بمجرد وجودها. فالعلم يحتاج إلى بيئة مؤسسية تسمح بالبحث والتجربة، وإلى اقتصاد قادر على تحويل الأفكار إلى تطبيقات، وإلى منظومة تعليمية تتيح تراكم المهارات والخبرات ولهذا فإن المسألة لا تتعلق بعدد العلماء أو المؤسسات العلمية فقط، وإنما بالعلاقة التى تربط البحث العلمى بالإنتاج والاقتصاد والمجتمع.


وتختلف المعرفة عن كثير من الموارد الأخرى فى طبيعة تراكمها فالمورد المادى يمكن أن ينخفض مع الاستهلاك، بينما يمكن للمعرفة أن تتوسع من خلال استخدامها. فالاكتشاف العلمى قد يؤدى إلى اكتشافات أخرى، والفكرة الواحدة يمكن أن تصبح أساسًا لسلسلة طويلة من الابتكارات ولهذا أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة موردًا استراتيجيًا يتجاوز قيمة الموارد التقليدية. لكن ربما تكمن القيمة الأعمق للعلم فى أنه لا يقدم إجابات جاهزة فقط، وإنما يغير الأسئلة نفسها فعندما تتغير الأسئلة، تتغير مجالات البحث وتتغير الإجابات، وعندما تتوسع مجالات البحث تظهر احتمالات لم تكن واضحة من قبل، ومن هذه الاحتمالات تنشأ حلول تعيد تشكيل الإنتاج والاستهلاك والعمل، وقد تمتد آثارها إلى العلاقات بين الدول والمجتمعات.


لذلك فإن العلم لا يمثل مجرد وسيلة لتحسين الواقع القائم، بل أحد العوامل التى تسمح بإنتاج واقع جديد لأى مجتمع، فالمعرفة لا تكتفى بإدارة الموارد الموجودة، وإنما يمكنها أن تضيف موارد واستخدامات وفرصًا لم تكن متاحة فى السابق، وفى هذه النقطة تحديدًا تتجاوز قيمة العلم حدود المعامل والجامعة والكتاب، لتصبح جزءًا من قدرة المجتمعات على بناء مستقبلها وصياغة موقعها فى عالم تتغير فيه مصادر الثروة والقوة باستمرار. ومن هنا يمكن فهم العلم باعتباره أحد أكثر أشكال القوة ارتباطًا بالمستقبل؛ لأن من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة لا يكتفى بالتكيف مع التغير، وإنما يشارك فى صناعة الاتجاه الذى يسير فيه هذا التغير.
كاتبة وباحثة فى الاقتصاد السياسى والدولى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved