الهرم المقلوب في القطاع الصحي

علاء غنام وأحمد عزب
علاء غنام وأحمد عزب

آخر تحديث: الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

 

بشكل عام يتشكل الفريق الصحى من أطباء وتمريض وفنيين وصيادلة وأطباء أسنان وعلاج طبيعى وإداريين، ومن المفترض أن هناك فئة تسمى العاملون فى صحة المجتمع أو المجتمعية community health workers؛ وهم فئة من المجتمعات المحلية معنية بتوفير الرعاية الصحية والطبية الأساسية ضمن مجتمعهم، مثل الصحة الوقائية والتوعية الصحية.
وباعتبار الأطباء هم المدخل الأساسى لأى نظام صحى، فإن الطبيبة أو الطبيب يكون إما طبيب الرعاية الأولية أو طبيب أخصائى: يُعرف مقدم الرعاية الأولية أيضًا باسم طبيب الأسرة أو طبيب باطنى أو ممارس عام، يتم تدريبه على مجموعة متنوعة من الإجراءات والتدخلات الطبية، وهو نقطة الاتصال على مستوى الرعاية الأولى لمعرفة الاحتياجات والتدخلات الصحية الأساسية والتعامل معها. بينما الأخصائية أو الأخصائى هو طبيب أكمل تدريبًا إضافيًا فى مجال طبى معين مثل أمراض الروماتيزم أو أمراض الجهاز الهضمى أو الأمراض الجلدية... إلخ.
طبيبة/ طبيب الأسرة أو الممارس العام المؤهل جيدا يكون مسئولا عن منطقة معينة أو مجموعة من أفراد المجتمع، وعندما يحتاج أى مواطن لتدخل طبى يذهب مباشرة إلى طبيب الأسرة ويتعامل طبيب الأسرة مع الأمراض البسيطة والمتوسطة، أما عندما يحتاج المريض إلى مستوى متقدم يتم إحالته إلى أخصائى، على سبيل المثال أخصائى عظام أو أعصاب أو حساسية أو نساء.. إلخ، وتكون الإحالة عبر طبيب الأسرة، مزايا هذا النظام تعود على المريض والنظام الصحى حيث يتم توجيه المريض للأخصائى المناسب لحالته بشكل صحيح من أول مرة، ويوفر الكثير من المجهود والنفقات على النظام الصحى.
•••
لدينا فى مصر هرم مقلوب من العمالة الصحية الطبية، حيث يفضل أغلب الأطباء التوجه ناحية تخصصات بعينها، وليس هناك إقبال أو رغبة فى التوجه للعمل والتدريب على طب الأسرة. بالإضافة إلى أن التفتت فى النظام الصحى المصرى، وعدم قيام نظام تأمين صحى شامل طوال العقود الماضية وللارتفاع الشديد فى نسبة الإنفاق من الجيب فى مصر، وأيضا لغياب الترويج الكافى لمفهوم طبيب الأسرة، أصبحت هناك قناعة بضرورة إجراء الكشف الطبى بواسطة طبيب متخصص من أول مرة. لذلك، قد لا يرضى الكثير من المواطنين بمفهوم الإحالة وقوائم الانتظار والمرور بخطوات الرعاية الصحية الأولية عبر طبيب الأسرة، وبدلا من ذلك يفضلون التوجه إلى طبيب متخصص مباشرة.
خلال العقود الماضية، ومن ضمن أسباب قلة الاهتمام بنموذج طب الأسرة، حدثت زيادة سريعة فى المستشفيات المتخصصة فى أمراض القلب والجراحة وتقويم العظام وغيرها على حساب الاهتمام بالمستشفيات العامة. وبالطبع يقف وراء ذلك الزيادة السريعة فى نسب الإنفاق من الجيب وتسليع الصحة فى العقود الماضية. أحدثت ظاهرة المستشفيات المتخصصة، التى تقدم حزمة محدودة من الإجراءات أو الخدمات الصحية، تحولا (قد يكون سلبيا على مفهوم طب الأسرة ومن ضمن التحديات التى سيتعامل معها نظام التأمين الصحى الشامل الجديد) حيث كان هذا النمو السريع للمستشفيات المتخصصة يأتى أولا فى إطار ضعف منظومة المستشفيات العامة الحكومية التى تقدم الخدمة الصحية للمواطنين والمواطنات، وثانيا على وجه الخصوص أنها كانت مملوكة للقطاع الخاص أو كان القطاع الخاص اللاعب الأساسى فى الترويج لمفهوم المستشفيات والمراكز العلاجية المتخصصة (والذى هدفه بطبيعة الحال تعظيم الأرباح بغض النظر عن أى شيء) فى غياب نظام تأمين صحى شامل ينظم التعاقد والتسعير. فنتج عن ذلك وضع مركب ومتشابك ومفتت للنظام الصحى المصرى؛ مستشفيات عامة ضعيفة، وترسيخ ثقافة الطبيب المتخصص والمستشفى التخصصى لدى المواطن الراغب فى تلقى رعاية صحية.
ومع توجه الدولة لتطبيق نظام جديد للتغطية الصحية الشاملة، بحيث سيتم تغطية جميع المواطنين بتأمين صحى شامل فى غضون عشر سنوات، يظهر التساؤل حول الإطار الأفضل فى السياق المصرى لاختيار أنواع المستشفيات ومسارات الحركة داخل مستويات الرعاية الثلاثة، على سبيل المثال، كيف يتم تحديد نوع الجهة التى ستقدم الخدمة الصحية فى مستوى الرعاية الصحية الأول: هل الأفضل الوحدات الصحية التقليدية والتى لمصر تاريخ طويل معها وعلى الأقل شبه راسخة لدى المواطنين من خلال برامج التطعيمات الإلزامية القوية الناجحة، أم عبر التوسع فى المستشفيات العامة بشدة؟ وهل يكون تقديم الرعاية المتقدمة من خلال مستشفيات متخصصة فقط أم مستشفيات عامة تحتوى على الأقسام المتخصصة (وستقدم هذه المستشفيات العامة الرعاية الأولية عبر طبيب الأسرة أيضا).
يذهب البعض إلى أن مستويات الرعاية المتقدمة من الأفضل أن تكون مستشفيات عالية التخصص كوحدات صغيرة لا تزيد على 200 سرير بأعلى مستويات الجودة والتخصص الدقيق، على سبيل المثال التجارب الناجحة فى مركز كلى المنصورة أو وحدة شريف مختار فى القصر العينى أو مركز د/ مجدى يعقوب. بينما يرى البعض الآخر أن الدولة يجب أن تتوسع فى المستشفيات العامة كاختيار أفضل من المستشفيات التخصصية.
•••
أى نقاش حول هذا الموضوع (المستشفيات المتخصصة والمستشفيات العامة) يجب أن ينطلق بشكل أساسى من بيانات محدثة ودراسة دقيقة حول عدد المستشفيات العامة والمتخصصة فى البلاد بشكل عام وتوزيعها الجغرافى وتناسبها مع عدد المواطنين المطلوب تقديم الرعاية لهم، والاستفادة من التجارب المصرية السابقة فى الإصلاح الصحى ومعرفة أسباب عدم اكتمالها. وقد يكون من المفيدة دراسة تجارب مقارنة فى بلدان أخرى ولكن مع التنبيه على أن ما قد يكون ناجحا فى بلد ما لا يكون مناسبا لظروف بلدان أخرى. على سبيل المثال، كون وحدات ومراكز الصحة العادية حتى الآن قادرة على الوصول وتغطية جميع المواطنين ببرامج تطعيمات أساسية مجانية، وهى من أهم الخدمات العامة التى تقدم حتى الآن، يشير إلى دور قد يكون للوحدات والمراكز الصحية فى التأمين الصحى الشامل (بعد التأهيل والإعداد الجيد لها وتوفير أطباء أسرة) وتقلل الحاجة إلى إنشاء عدد كبير من المستشفيات العامة.
فى الخلاصة، من المتفق عليه الآن وخصوصا بعد جائحة كورونا هو الدور المحورى، والذى لا غنى عنه لطبيب الأسرة، وضرورة أن يكون قاعدة هيكل العمالة الصحية مكونة من تمريض وأطباء أسرة مؤهلين على أعلى مستوى وتمريض عمال الصحة المجتمعية (وهو المجال الغائب بشكل كبير فى مصر).

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved