انتفاضة الكتاب فى مدينة الفرح

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 29 نوفمبر 2015 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

هل لا تزال بيروت تدهشك حد الاستغراب؟ ترسل فيك بعض النشوة عندما تتحسس تفاصيلها وكأنك تقول لا تزال مدينة عربية باقية محافظة على تنوعها.. تدعو كل العرب للحضور والتعرف عليها كما كانت.. رغم سنوات الحرب الطويلة والألم والدمار بقيت واستفاقت بيروت فى لحظة واستعادت بعض عافيتها.. كلما تجهد من أجل بعض الحياة التى كانت كلما جاءت الصفعة وليست كلها من الأعداء بل كثير منها من الأصدقاء جدا!!
هل لا تزال بيروت تبهرك والصيف غادر وبقى بعضه عالقا بفصل خريفى متقلب وصوت المذيع من راديو تاكسى السرفيس ــ هو الآخر أحد معالم هذه المدينة الباقية ــ يكرر العاصفة الباردة قادمة السبت وشهر نوفمبر يودع أيامه الأخيرة مع كثير من الدفء والشمس تعانق الأجساد المستلقية هنا وهناك الباحثة عن «التان» السمار الذى هو جزء من الوجاهة التى لا يمكن ان يبقى لبنانى أو لبنانية دونها.. فبيروت مدينة كل المتناقضات باستطاعتك ان تكون ثريا تختال بين الاثرياء وتتبارى مع المتبارين فى أحدث الأزياء فى الملابس والسيارات وحتى المطاعم وبإمكانك ايضا ان تكتفى بمربعك الذى رسمته هنا وهناك للحالمين ببيروت مدينتهم أيضا التى تحمل كل سمات الحرية على الأقل الشخصية.. بيروت لهؤلاء هى مقاهى الحمراء التى لا تشبه طبعا الهورس شو ولا الموكا ولا الويمبى سابقا ولكنها ايضا لا تعج سوى بكثير من طلاب الجامعات المجاورة الأمريكية واللبنانية الأمريكية وما بينهما من جامعات ومعاهد.. هذه بيروت أيضا لا تفاجئك بكثير من الصحفيين والمثقفين يحتسون القهوة فى قهوة هنا أو هناك ينتقلون بحثا عن مقهى يشبه الذى كان أو حتى يشبههم هم!!!
***
هل لا تزال بيروت الحالمة تدهشك؟ يقول ذاك الجالس يحتسى قهوته الصباحية فى ذاك الفندق الفخم المستلقى قريبا من زراق البحر المتوسط، ويردد على المتصل به «انا فى بيروت» ويكررها مررا ربما فخرا ربما زهوا ربما بطولة والعواصم اعلنت لمواطنيها الحضر على السفر لمدينة المدن، فيما هى منشغلة بالتسلل الإسرائيلى عبر مكاتب وسفارات هنا وهناك!! يكرر «هذه مدينة عجيبة.. خاصة جدا ولا تشبه المدن العربية» لا تستطيع أن تتجاهل حواره فقد اعتاد الكثير من العرب على رفع صوتهم فى الأماكن العامة وكأنهم ملكوها خاصة منهم أو منهن محدثى النعمة والثراء الفاحش.. يتصورون أن من يملك المال الكثير يستطيع أن يملك الفضاء العام وهم لا يدركون انهم بأصواتهم يحتلونه فقط.. يكرر «هذه مدينة لا تشبه أى مدينة عربية» وفى ذلك قد يكون محق بعض الشىء رغم تعريف الانفراد الخاص يختلف من شخص إلى آخر..
بيروت تحتفى بالكتاب فى نفس تلك الفترة يفتتح رئيس حكومتها فى ظل غياب الرئيس لأشهر تطول وتطول.. يقف عند المكتبات يقول لهم «دققوا فى مضامين كتب الدين».. وتبقى بيروت وفية لتلك الصفة رغم ازدحام صورتها بالمطاعم والمقاهى والملاهى والبارات تبقى وفية لمطابعها ودور نشرها التى تصارع من أجل البقاء فيما تكثر مراكز التسوق وتطغى على المشهد العام.. رغم ذلك يتسلل الكتاب بين الحوانيت المكتظة بالألبسة والحقائب والأحذية ولا ننسى السيجار الكوبى الفاخر فهو ليس سيجارا فحسب بل مظهر من مظاهر الوجاهة العامة حتى انتقلت العدوى لأثرياء الخليج والعرب قاطبة!!!
***
بيروت رغم حدة تناقضاتها لا تزال ترقص الفرح على أنغام موج المتوسط.. تردد فيروز فى الصباح والمساء وما بينهما وهى الأخرى.. فيروز الأيقونة تحتفل بعامها الثمانين وسط باقات من الورد التى نثرتها العديد من وسائل الإعلام احتفاء بها.. بصوتها الملائكى فى زمن اصوات الكراهية والحقد.. فيروز نشرت الحب بالتساوى بين المدن العربية.. بيروت التى غنت حقا بكل وجدانها من أجل عواصم كدمشق والقاهرة، بل مصر والكويت وبغدادو ووو.. لم تنهكها الحرب الأهلية الطويلة ولم توقف حبها وعطاءها وإيمانها الدائم بانتصار المحبة والخير والفرح فى نهاية الأمر.. ربما الآن والمدن العربية تدمى وتصرخ من الوجع تقف بيروت لتضمد جراحها كلها.. لم تقل بيروت لهم كلكم كنتم شركاء يوم كان ذبحى وجبة متأخرة فى نشرات أخباركم.. يوم تحولت البنوك والمراكز وهجرها كل القادمين المحبين والحاقدين.. لم تقل بيروت ذلك بل فتحت أذرعها واستقبلت العرب.. كل العرب ولا تزال تطبع لهم وتنشر لهم وتقيم المؤتمرات والمحاضرات من أجلهم.. لا تزال تقف فى وجه الرقيب الذى حاصر المدن العربية وكتبها.. لم تسمح بأن تحرق الكتب كما يحدث ويتكرر فى مدن الأسمنت المستجدة على الثقافة والعلم.. تلك المدن التى يقف الرقيب ليفتش بين الكلمة وخلف الحرف والفاصلة.. يفسر كما يشاء ويعلق المشانق للكتب وكاتبيها.. لا تزال بيروت تحتفى بالكتاب الذى لا يزال بالنسبة لبعض الأجهزة الأمنية المتحجرة أخطر من القذيفة والهاون والصاروخ!!
بيروت التى يستقبلك معرض كتابها بدور نشره المتعددة التى لا تزال تتنافس فى وقت سقط الكتاب فى متاهة الإنترنت وتحولت الرسائل الصوتية لتكون وسيلة للتواصل بدل عن الكتابة والكلمة المتعمقة.. تستقبلك الكتب وفوقها تلك العبارة الحاضرة «الكتب أصدق أنباء من السيف».. لأننا أخيرا عرفنا أن السيف لم يعد للرقص الفلكلورى كما عهدناه فى معظم الدول العربية بل لقطع الرقاب لكل من يخالف «أميرهم» القادم من زاوية ما بقى هناك منذ آلاف السنين حتى تهيأ له أن العالم لا يحتاج إلا لمزيد من الدم والدمار لينشر الإسلام الذى يجهله هو حتما كما قال كل الشهود الذين عاشوا بين أولئك القوم المحاربين للكلمة الخائفين من الكتب إلا كتبهم المزورة للدين والتاريخ.
***
هل لا تزال بيروت تبهركم؟ ربما لأنها بقيت وفية للكتاب أو وفية لإرثها الحضارى.. أو ربما لأنها تأمل أن ينتفض الشباب يوما ليس فقط ليقولوا «طلعت ريحتكم» بل ينهوا تلك الرائحة النتنة من الطائفية التى قننت على موائد الاتفاقيات الناقصة.. تلك التى شجعت تجار الحرب وميلشياتها وأبقت الزعامات متوزعة حتى لا يتحد المجتمع يوما وينقلب عليها فيفلت من قبضة الطائفة إلى فضاء الكون الواسع ليصبح جزء من ذاك الإرث الإنسانى الذى ينتمى إليه هذا الذى هو الوطن.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved